الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣٣ - ١٦٢- من سار على غير طبعه
عند زمان الحركة، و من التفتّق و الانتشار في إبّان الانتشار. و إذا صارت الأمطار لتلك الأرحام كالنّطفة، و كان بعض الأرض كالأم الغاذية فلا بدّ لكلّ ثدي قويّ أن يظهر قوّته، كما قال الأوّل: [من الطويل]
و لا بدّ للمصدور يوما من النّفث [١]
و قال: [من الطويل]
و لا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر [٢]
و لذلك صار طلب الحساب أخفّ على بعضهم، و طلب الطّبّ أحبّ إلى بعضهم. و كذلك النّزاع إلى الهندسة، و شغف أهل النّجوم بالنّجوم. و كذلك أيضا ربّما تحرّك له بعد الكبرة، و صرف رغبته إليه بعد الكهولة، على قدر قوّة العرق في بدنه، و على قدر الشّواغل له و ما يعترض عليه، فتجد واحدا يلهج بطلب الغناء و اللحون، و آخر يلهج بشهوة القتال، حتى يكتتب مع الجند، و آخر يختار أن يكون ورّاقا، و آخر يختار طلب الملك، و تجد حرصهم على قدر العلل الباطنة المحرّكة لهم، ثمّ لا تدري كيف عرض لهذا هذا السّبب دون الآخر إلاّ بجملة من القول، و لا تجد المختار لبعض هذه الصناعات على بعض يعلم لم اختار ذلك في جملة و لا تفسير، إذ كان لم يجر منه على عرق، و لا اختاره على إرث.
١٦٢-[من سار على غير طبعه]
و ليس العجب من رجل في طباعه سبب يصل بينه و بين بعض الأمور و يحرّكه في بعض الجهات، و لكنّ العجب ممّن يموت مغنّيا و هو لا طبع له في معرفة الوزن، و ليس له جرم حسن [٣] ، فيكون إن فاته أن يكون معلّما و مغنّي خاصّة أن يكون مطربا و مغنّي عامّة، و آخر قد مات أن يذكر بالجود، و أن يسخّى على الطعام، و هو أبخل الخلق طبعا. فتراه كلفا باتّخاذ الطيّبات و مستهترا بالتكثير منها. ثمّ هو أبدا مفتضح و أبدا منتقض الطباع، ظاهر الخطأ، سيّئ الجزع عند مؤاكلة من كان هو الداعي له، و المرسل إليه، و العارف مقدار لقمه و نهاية أكله.
فإن زعمتم أنّ كلّ واحد من هؤلاء إنّما هو رهن بأسبابه. و أسير في أيدي علله،
[١] مجمع الأمثال ٢/٢٤١.
[٢] عجز بيت لمالك بن حذيفة في حماسة البحتري ١٩٧، و صدره: (و ما كثرة الشكوى بأمر حزامة) ، و البيت بلا نسبة في البيان ٣/٢٢٠، ٤/٦٣، و عجزه في رسائل الجاحظ ١/١٤٤.
[٣] الجرم: الصوت أو الحلق.