الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٥٥ - 268- هجو الناس بهجو كلابهم
و ما أنا بالدّاري أحاديث سرّها # و لا عالم من أيّ حوك ثيابها
و إنّ قراب البطن يكفيك ملؤه # و يكفيك سوءات الأمور اجتنابها
و قال حاتم الطائي، و هو حاتم بن عبد اللّه، و يكنى أبا سفّانة، و كان أسره ثوب ابن شحمة العنبريّ مجير الطير: [من الطويل]
إذا ما بخيل النّاس هرّت كلابه # و شقّ على الضّيف الغريب عقورها [١]
فإنّي جبان الكلب بيتي موطّأ # جواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها
و لكن كلابي قد أقرّت و عوّدت # قليل على من يعتريها هريرها
٢٦٨-[هجو الناس بهجو كلابهم]
و قال صاحب الكلب: إنّ كثيرا من هجاء الكلب، ليس يراد به الكلب، و إنّما يراد به هجاء رجل، فيجعل الكلب وصلة في الكلام ليبلغ ما يريد من شتمه. و هذا أيضا مما يرتفق الناس به من أسباب الكلاب. و لذلك قال الشاعر: [من الكامل]
من دون سيبك لون ليل مظلم # و حفيف نافجة و كلب موسد [٢]
و أخوك محتمل عليك ضغينة # و مسيف قومك لائم لا يحمد
و الضّيف عندك مثل أسود سالخ # لا بل أحبّهما إليك الأسود
فهذا قول الشاعر. و قال الآخر: [من الوافر]
و ما يك فيّ من عيب فإنّي # جبان الكلب مهزول الفصيل
فهو لم يرد مدح الكلب بالجبن، و إنّما أراد نفسه حين قال: [من الكامل]
و حفيف نافجة و كلب موسد
فإن كان الكلب إنما أسره أهله، فإنّما اللوم على من أسره. و إنما هذا الضّرب كقوله: [من البسيط]
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم # قالوا لأمّهم بولي على النّار [٣]
[١] ديوان حاتم الطائي ٢٣١، و حماسة القرشي ١٢٠-١٢١، و أمالي المرتضى ٢/١١١، و الفاضل ٤٠-٤١، و نوادر أبي زيد ١٠٦-١٠٧، و المعاني الكبير ١/٢٣٤.
[٢] الأبيات لحسيل بن عرفطة في نوادر أبي زيد ٧٥، و بلا نسبة في ديوان المعاني ١/١٠٦. النافجة:
الريح تجيء بقوة. أوسد الكلب: أغراه بالصيد.
[٣] البيت للأخطل في ديوانه ٦٣٦، و ديوان المعاني ١/١٧٥، و اللسان و التاج (ردب، نبح) .