الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٨ - 50- الترغيب في اصطناع الكتاب
و قال القوم: لو لا ما عرّفوكم من أبواب الحملانات [١] لم تعرفوا صنعة الشبه، و لو لا غضار الصين على وجه الأرض لم تعرفوا الغضار، على أنّ الذي عملتم ظاهر فيه التوليد، منقوص المنفعة عن تمام الصّينيّ. و على أن الشّبه لم تستخرجوه، و إنّما ذلك من الأمور التي وقعت اتّفاقا، لسقوط الناطف [٢] من يد الأجير في الصّفر الذائب، فخفتم إفساده، فلمّا رأيتم ما أعطاه من اللون عملتم في الزيادة و النقصان، و كذلك جميع ما تهيّأ لكم، و لستم تخرجون في ذلك من أحد أمرين: إمّا أن تكونوا استعملتم الاشتقاق من علم ما أورثوكم، و إمّا أن يكون ذلك تهيّأ لكم من طريق الاتّفاق!!
٤٩-[الجمازات]
و قد علمتم أنّ أوّل شأن الجمّازات، أنّ أمّ جعفر أمرت الرحّالين أن يزيدوا في سير النجيبة التي كانت عليها، و خافت فوت الرشيد، فلما حرّكت مشت ضروبا من المشي، و صنوفا من السير، فجمزت في خلال ذلك، و وافقت امرأة تحسن الاختيار، و تفهم الأمور، فوجدت لذلك الجمز راحة، و مع الراحة لذّة، فأمرتهم أن يسيروا بها في تلك السّيرة، فما زالوا يقرّبون و يبعّدون، و يخطئون و يصيبون، و هي في كلّ ذلك تصوّبهم و تخطئهم على قدر ما عرفت، حتى شدوا من معرفة ذلك ما شدوا، ثمّ إنّها فرّغتهم لإتمام ذلك حتى تمّ و استوى. و كذلك لا يخلو جميع أمركم، من أن يكون اتّفاقا، أو اتّباع أثر.
٥٠-[الترغيب في اصطناع الكتاب]
ثم رجع بنا القول إلى الترغيب في اصطناع الكتاب، و الاحتجاج على من زرى على واضع الكتب، فأقول [٣] : إنّ من شكر النعمة في معرفة مغاوي الناس و مراشدهم، و مضارّهم و منافعهم، أن يحتمل ثقل مئونتهم في تقويمهم، و أن يتوخّى إرشادهم و إن جهلوا فضل ما يسدى إليهم، فلن يصان العلم بمثل بذله، و لن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره، على أنّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم؛ إذ كان مع التّلاقي يشتدّ التصنّع، و يكثر التظالم، و تفرط العصبيّة، و تقوى الحميّة، و عند المواجهة و المقابلة، يشتدّ حبّ الغلبة، و شهوة المباهاة و الرئاسة، مع الاستحياء من
[١] الحملان في اصطلاح الصاغة: ما يحمل على الدراهم من الغش. التاج (حمل) .
[٢] الناطف: نوع من الحلواء، و هو القبّيط، سمي بذلك لأنه يقطر قبل خثورته. التاج (نطف) .
[٣] ورد قوله في كتاب الفتيا؛ ضمن رسائله ١/٣١٥.