الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٦ - 47- بين أنصار الكتب و أنصار الشعر
٤٧-[بين أنصار الكتب و أنصار الشعر]
قالوا: فكيف تكون هذه الكتب أنفع لأهلها من الشعر المقفّى؟ قال الآخر: إذا كان الأمر على ما قلتم، و الشأن على ما نزّلتم، أ ليس معلوما أنّ شيئا هذه بقيّته و فضلته و سؤره و صبابته، و هذا مظهر حاله على شدّة الضيم، و ثبات قوته على ذلك الفساد و تداول النقص، حريّ بالتعظيم، و حقيق بالتفضيل على البنيان، و التقديم على شعر إن هو حوّل تهافت، و نفعه مقصور على أهله، و هو يعدّ من الأدب المقصور، و ليس بالمبسوط، و من المنافع الاصطلاحيّة و ليست بحقيقة بيّنة، و كلّ شيء في العالم من الصناعات و الأرفاق و الآلات، فهي موجودات في هذه الكتب دون الأشعار، و هاهنا كتب هي بيننا و بينكم، مثل كتاب أقليدس، و مثل كتاب جالينوس، و مثل المجسطي، ممّا تولاّه الحجّاج، و كتب كثيرة لا تحصى فيها بلاغ للناس، و إن كانت مختلفة و منقوصة مظلومة و مغيّرة، فالباقي كاف شاف، و الغائب منها كان تكميلا لتسلّط الطبائع الكاملة.
فأما فضيلة الشعر فعلى ما حكينا، و منتهى نفعه إلى حيث انتهى بنا القول.
و حسبك ما في أيدي الناس من كتب الحساب، و الطبّ، و المنطق، و الهندسة، و معرفة اللّحون، و الفلاحة، و التّجارة، و أبواب الأصباغ، و العطر، و الأطعمة، و الآلات.
و هم أتوكم بالحكمة، و بالمنفعة التي في الحمّامات و في الأصطرلابات [١]
و القرسطونات [٢] و آلات معرفة الساعات، و صنعة الزجاج و الفسيفساء، و الأسرنج [٣]
و الزنجفور [٤] و اللازورد [٥] و الأشربة، و الأنبجات [٦] ، و الأيارجات [٧] و لكم المينا،
[١] الأصطرلاب: مقياس للنجوم؛ و هو باليونانية أصطرلابون. و أصطر: النجم، لابون: المرآة. انظر مفاتيح العلوم للخوارزمي ١٣٤، مادة (لوب) .
[٢] القرسطون: القبّان. انظر النزهة المبهجة للأنطاكي ١/١٥.
[٣] الأسرنج: أسرب يحرق، و يشب عليه النار حتى يحمر. مفاتيح العلوم ١٤٩.
[٤] الزنجفور: صبغ معروف، و هو أحمر يكتب به و يصبغ، قوته كقوة الإسفيداج، و هو معدني و مصنوع، أما المعدني: فهو استحالة شيء من الكبريت إلى معدن الزئبق، و أما المصنوع فأنواع.
انظر التاج ١١/٤٥٨ (ز ن ج ف ر) .
[٥] اللازورد: حجر فيه عيون براقة؛ يتخذ منها خزر. مفاتيح العلوم ١٤٨.
[٦] الأنبجات: جمع أنبج. و هو حمل شجر بالهند يربّب بالعسل على خلقة الخوج؛ محرّف الرأس، و هو لونان: أحدهما ثمرته في مثل هيئة اللوز، و آخر في هيئة الإجاص، و طعمه كالموز. اللسان:
نبج ٢/٣٧٢.
[٧] الإيارجة: دواء معروف، و هو معجون مسهل للأخلاط. معرب إياره، و تفسيره: الدواء الإلهي. التاج ٦/٢٩١ (ي ر ج) .