الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٨٦ - 214- الإعراب و اللحن
أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر # أسود قزّاح يعوّي في السّحر
و إنّما ذلك شكل من شكل الجبن، و كالذي يعتري نساء السّفلة من الصخب.
٢١٢-[جبن الكلب]
و الكلب جبان و فيه جرأة و لؤم. و لو كان شجاعا و فيه بعض التهيّب كان أمثل.
و من فرط الجبن أنّه يفزع من كلّ شيء و ينبحه.
و البرذون ربّما رمح البرذون مبتدئا، و قلق و صهل صهيلا في اختلاط، و ليس ذلك من فضل قوّة يجدها في نفسه على المرموح، و لكنّه يكون جبانا، فإذا رأى البرذون الذي يظنّ أنّه يعجز عنه أراه الجبن أنّه واقع به، فعندها يقلق و إذا قلق رمح.
و هذه العلّة تعرض للمجنون؛ فإنّ المجنون الذي تستولي عليه السّوداء، ربما وثب على من لا يعرفه. و ليس ذلك إلاّ لأنّ المرّة أوهمته أنّه يريده بسوء، و أنّ الرأي أن يبدأه بالضرب. و على مثل ذلك يرمي بنفسه في الماء و النار.
٢١٣-[نفي اللحن عن النظام]
فأمّا الذي شهدت أنا من أبي إسحاق بن سيّار النظّام، فإنّا خرجنا ليلة في بعض طرقات الأبلّة، و تقدّمته شيئا، و ألح عليه كلب من شكل كلاب الرّعاء، و كره أن يعدو فيغريه و يضرّيه [١] ، و أنف أيضا من ذلك-و كان أنفا شديد الشّكيمة أبّاء للهضيمة -و كره أن يجلس مخافة أن يشغر عليه أو لعلّه أن يعضّه فيهرت ثوبه، و ألحّ عليه فلم ينله بسوء. فلمّا جزنا حدّه و تخلّصنا منه، قال إبراهيم في كلام له كثير، يعدّد خصاله المذمومة، فكان آخر كلامه أن قال: إن كنت سبع فاذهب مع السّباع، و عليك بالبراري و الغياض، و إن كنت بهيمة فاسكت عنّا سكوت البهائم! و لا تنكر قولي و حياتي عنه بقول ملحون. من قولي: «إن كنت سبع» و لم أقل «إن كنت سبعا» !
٢١٤-[الإعراب و اللحن]
و أنا أقول: إنّ الإعراب يفسد نوادر المولّدين، كما أنّ اللحن يفسد كلام الأعراب [٢] ؛ لأنّ سامع ذلك الكلام إنّما أعجبته تلك الصورة و ذلك المخرج، و تلك
[١] يضريه: يغريه.
[٢] انظر البيان ١/١٤٥-١٤٦.