الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣٨ - 169- تشبيه الإنسان بالقمر و الشمس و نحوهما
تمثيل ما بين خصال الدّرّة و الحمامة، و الفيل و البعير، و الثّعلب و الذيب أعجب، و لسنا نعني أنّ للدّرّة ما للطاوس من حسن ذلك الريش و تلاوينه و تعاريجه، و لا أنّ لها غناء الفرس في الحرب و الدّفع عن الحريم؛ لكنّا إذا أردنا مواضع التدبير العجيب من الخلق الخسيس، و الحسّ اللطيف من الشيء السخيف، و النّظر في العواقب من الخلق الخارج من حدود الإنس و الجنّ و الملائكة، لم نذهب إلى ضخم البدن و عظم الحجم، و لا إلى المنظر الحسن و لا إلى كثرة الثمن. و في القرد أعاجيب و في الدّبّ أعاجيب، و ليس فيهما كبير مرفق إلاّ بقدر ما تتكسّب به أصحاب القردة، و إنما قصدنا إلى شيئين يشيع القول فيهما، و يكثر الاعتبار ممّا يستخرج العلماء من خفيّ أمرهما. و لو جمعنا بين الدّيك و بين بعض ما ذكرت، و بين الكلب و بين بعض ما وصفت، لانقطع القول قبل أن يبلغ حدّ الموازنة و المقابلة.
و قد ذكرت أنّ بعض ما دعاك إلى الإنكار عليهما و التعجّب من أمرهما، سقوط قدر الكلب و نذالته، و بله الدّيك و غباوته، و أنّ الكلب لا بهيمة تامّة و لا سبع تامّ، و ما كان ليخرجه من شيء من حدود الكلاب إلى حدود الناس، مقدار ما هو عليه من الأنس بهم، فقد يكون في الشيء بعض الشبه من شيء و لا يكون ذلك مخرجا لهما من أحكامهما و حدودهما.
١٦٩-[تشبيه الإنسان بالقمر و الشمس و نحوهما]
و قد يشبّه الشعراء و العلماء و البلغاء الإنسان بالقمر و الشمس، و الغيث و البحر، و بالأسد و السيف، و بالحيّة و بالنّجم، و لا يخرجونه بهذه المعاني إلى حدّ الإنسان.
و إذا ذمّوا قالوا: هو الكلب و الخنزير، و هو القرد و الحمار، و هو الثور، و هو التّيس، و هو الذيب، و هو العقرب، و هو الجعل، و هو القرنبى؛ ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس و لا أسمائهم، و لا يخرجون بذلك الإنسان إلى هذه الحدود و هذه الأسماء. و سمّوا الجارية غزالا، و سمّوها أيضا خشفا، و مهرة، و فاختة، و حمامة، و زهرة، و قضيبا، و خيزرانا، على ذلك المعنى. و صنعوا مثل ذلك بالبروج و الكواكب، فذكروا الأسد و الثور، و الحمل و الجدي، و العقرب و الحوت، و سمّوها بالقوس و السّنبلة و الميزان، و غيرها. و قال في ذلك ابن عسلة الشيبانيّ: [من الكامل]
فصحوت و النّمريّ يحسبها # عمّ السّماك و خالة النّجم
و يروى عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «نعمت العمة لكم النّخلة خلقت من فضلة