الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٣ - 33- التخصص بضروب من العلم
و لا تدبير معاش، و لا سياسة عامة، و لا ترتيب خاصّة. فأيّ كتاب أجهل، و أيّ تدبير أفسد من كتاب يوجب على الناس الإطاعة، و البخوع [١] بالديانة، لا على جهة الاستبصار و المحبّة، و ليس فيه صلاح معاش و لا تصحيح دين!؟و الناس لا يحبّون إلا دينا أو دنيا: فأمّا الدّنيا فإقامة سوقها و إحضار نفعها. و أما الدّين فأقلّ ما يطمع في استجابة العامة، و استمالة الخاصّة، أن يصوّر في صورة مغلّطة، و يموّه تمويه الدّينار البهرج، و الدرهم الزائف الذي لا يغلط فيه الكثير، و يعرف حقيقته القليل. فليس إنفاقهم عليها من حيث ظننت. و كلّ دين يكون أظهر اختلافا و أكثر فسادا، يحتاج من الترقيع و التمويه، و من الاحتشاد له و التغليظ فيه إلى أكثر. و قد علمنا أنّ النصرانيّة أشدّ انتشارا من اليهوديّة تعبدا، فعلى حسب ذلك يكون تزيّدهم في توكيده، و احتفالهم في إظهار تعليمه.
٣٢-[فضل التعلم]
و قال بعضهم: كنت عند بعض العلماء، فكنت أكتب عنه بعضا و أدع بعضا، فقال لي: اكتب كلّ ما تسمع، فإن أخسّ ما تسمع خير من مكانه أبيض.
و قال الخليل بن أحمد: تكثّر من العلم لتعرف، و تقلّل منه لتحفظ.
و قال أبو إسحاق: القليل و الكثير للكتب، و القليل وحده للصدر.
و أنشد قول ابن يسير [٢] : [من المتقارب]
أما لو أعي كلّ ما أسمع # و أحفظ من ذاك ما أجمع
و لم أستفد غير ما قد جمعـ # ت لقيل هو العالم المصقع
و لكنّ نفسي إلى كلّ نو # ع من العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعـ # ت و لا أنا من جمعه أشبع
و أحصر بالعيّ في مجلسي # و علمي في الكتب مستودع
فمن يك في علمه هكذا # يكن دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للكتب لا ينفع
٣٣-[التخصص بضروب من العلم]
و قال أبو إسحاق: كلّف ابن يسير الكتب ما ليس عليها. إن الكتب لا تحيي
[١] البخوع: التذلّل و الخضوع. (اللسان: بخع) .
[٢] الأبيات في ديوان محمد بن يسير الرياشي ٩١، و سمط اللآلي ١/٥١٤-٥١٥.