الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧ - 24- فضل القلم و اللسان
فأجرى الحساب مجرى البيان بالقرآن. و بحسبان منازل القمر، عرفنا حالات المدّ و الجزر، و كيف تكون الزيادة في الأهلّة و أنصاف الشهور، و كيف يكون النقصان في خلال ذلك، و كيف تلك المراتب و تلك الأقدار.
٢٣-[فضل الكتابة]
و لو لا الكتب المدوّنة و الأخبار المخلّدة، و الحكم المخطوطة التي تحصّن الحساب و غير الحساب، لبطل أكثر العلم، و لغلب سلطان النّسيان سلطان الذكر، و لما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار. و لو تمّ ذلك لحرمنا أكثر النفع؛ إذ كنّا قد علمنا أنّ مقدار حفظ الناس لعواجل حاجاتهم و أوائلها، لا يبلغ من ذلك مبلغا مذكورا و لا يغني فيه غناء محمودا. و لو كلّف عامّة من يطلب العلم و يصطنع الكتب، ألاّ يزال حافظا لفهرست كتبه لأعجزه ذلك، و لكلّف شططا، و لشغله ذلك عن كثير ممّا هو أولى به. و فهمك لمعاني كلام الناس، ينقطع قبل انقطاع فهم عين الصوت مجرّدا، و أبعد فهمك لصوت صاحبك و معاملك و المعاون لك، ما كان صياحا صرفا، و صوتا مصمتا و نداء خالصا، و لا يكون ذلك إلاّ و هو بعيد من المفاهمة، و عطل من الدّلالة. فجعل اللفظ لأقرب الحاجات، و الصوت لأنفس من ذلك قليلا، و الكتاب للنازح من الحاجات. فأمّا الإشارة فأقرب المفهوم منها: رفع الحواجب، و كسر الأجفان، وليّ الشّفاه و تحريك الأعناق، و قبض جلدة الوجه؛ و أبعدها أن تلوى بثوب على مقطع جبل، تجاه عين الناظر، ثمّ ينقطع عملها و يدرس أثرها، و يموت ذكرها، و يصير بعد كلّ شيء فضل عن انتهاء مدى الصوت و منتهى الطرف، إلى الحاجة و إلى التفاهم بالخطوط و الكتب. فأيّ نفع أعظم، و أيّ مرفق أعون من الخطّ، و الحال فيه كما ذكرنا!!و ليس للعقد حظّ الإشارة في بعد الغاية.
٢٤-[فضل القلم و اللسان]
فلذلك وضع اللّه عزّ و جلّ القلم في المكان الرفيع، و نوّه بذكره في المنصب الشريف حين قال ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مََا يَسْطُرُونَ [١] فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخطّ بالقلم؛ إذ كان اللسان لا يتعاطى شأوه، و لا يشقّ غباره و لا يجري في حلبته، و لا يتكلف بعد غايته. لكن لما أن كانت حاجات الناس بالحضرة [٢] أكثر من حاجاتهم
[١] القلم/٦٨: ١.
[٢] الحضرة و الحضر و الحاضرة: خلاف البادية، و هي المدن و القرى و الريف. و سميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار. (اللسان: حضر) .