الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٢٦ - ١٥٣- حوار في الكلب
إذا غبت لم تذكر صديقا و إن تقم # فأنت على ما في يديك ضنين
فأنت ككلب السّوء في جوع أهله # فيهزل أهل الكلب و هو سمين
و في المثل: «سمن كلب في جوع أهله» ، و ذلك أنه عند السّواف [١] يصيب المال، و الإخداج [٢] يعرض للنّوق، يأكل الجيف فيسمن. و على أنه حارس محترس منه، و مؤنس شديد الإيحاش من نفسه، و أليف كثير الخيانة على إلفه. و إنما اقتنوه على أن ينذرهم بموضع السارق، و تركوا طرده لينبههم على مكان المبيّت. و هو أسرق من كل سارق، و أدوم جناية من ذلك المبيّت. و يدلّ على أنّه سروق عندهم، قول الشاعر: [من الطويل]
أفي أن سرى كلب فبيّت جلّة # و جبجبة للوطب ليلى تطلق [٣]
فهو سرّاق، و صاحب بيات، و هو نبّاش، و آكل لحوم النّاس. ألا إنّه يجمع سرقة الليل مع سرقة النّهار، ثم لا تجده أبدا يمشي في خزانة، أو مطبخ، أو عرصة دار، أو في طريق، أو في براريّ، أو في ظهر جبل، أو في بطن واد، إلاّ و خطمه في الأرض يتشمّم و يستروح، و إن كانت الأرض بيضاء حصّاء و دويّة ملساء، أو صخرة خلقاء؛ حرصا و جشعا، و شرها و طمعا [٤] . نعم حتّى لا تجده أيضا يرى كلبا إلاّ اشتمّ استه، و لا يتشمّم غيرها منه، و لا تراه يرمى بحجر أيضا أبدا إلاّ رجع إليه فعضّ عليه؛ لأنّه لمّا كان لا يكاد يأكل إلاّ شيئا رموا به إليه صار ينسى لفرط شرهه و غلبة الجشع على طبعه، أنّ الرامي إنّما أراد عقره أو قتله، فيظنّ لذلك أنّه إنّما أراد إطعامه و الإحسان إليه. كذلك يخيّل إليه فرط النّهم و توهمه غلبة الشّره، و لكنّه رمى بنفسه على الناس عجزا و لؤما، و فسولة و نقصا [٥] ، و خاف السباع و استوحش من الصّحارى.
و لمّا سمعوا بعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ
[١] السواف: الموتان في الإبل.
[٢] أخدجت الناقة: أتت بولد ناقص.
[٣] البيت بلا نسبة في اللسان (جبب) ، و الأساس (وطب) ، و الجمهرة ١٧٣، ١٢١٣، و تهذيب اللغة ١٠/٥١٣.
[٤] نهاية الأرب ٩/٢٥٧.
[٥] الفسولة: الفتور في الأمر.