الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧١ - ٧٠- الطبائع الملفقة
كذلك، لم ينجع فيه أدب، و لا يطمع في علاجه طبيب، و أنّه رأى في دور ثقيف، فتى اجتمعت فيه هذه الخصال، فما كان في الأرض يوم، إلاّ و هم يتحدثون عنه بشيء، يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه! و زعمت أنّ الكلب في ذلك كالخنثى، و الذي هو لا ذكر و لا أنثى، أو كالخصي الذي لمّا قطع منه ما صار به الذّكر فحلا، خرج من حدّ كمال الذكر بفقدان الذكر، و لم يكمل لأن يصير أنثى، للغريزة الأصلية، و بقيّة الجوهريّة.
و زعمت أنّه يصير كالنبيذ الذي يفسده إفراط الحرّ، فيخرجه من حدّ الخل، و لا يدخله في حدّ النبيذ.
و قال مرداس بن خذام: [من الطويل]
سقينا عقالا بالثّويّة شربة # فمالت بلبّ الكاهليّ عقال [١]
فقلت اصطبحها يا عقال فإنّما # هي الخمر خيّلنا لها بخيال
رميت بأمّ الخلّ حبّة قلبه # فلم ينتعش منها ثلاث ليال
فجعل الخمر أمّ الخلّ قد يتولد عنها. و قد يتولّد عن الخل-إذ كان خمرا مرة -الخمر.
و قال سعيد بن وهب: [من الكامل]
هلاّ و أنت بماء وجهك تشتهى # رود الشّباب قليل شعر العارض!
فالآن حين بدت بخدّك لحية # ذهبت بملحك مثل كفّ القابض
مثل السلافة عاد خمر عصيرها # بعد اللّذاذة خلّ خمر حامض
و يصير أيضا كالشعر الوسط، و الغناء الوسط، و النادرة الفاترة، التي لم تخرج من الحرّ إلى البرد فتضحك السّن، و لم تخرج من البرد إلى الحر فتضحك السّن.
[١] الثوية: موضع بالكوفة. معجم البلدان ٢/٨٧.