الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٥٧ - ٢٦٨- هجو الناس بهجو كلابهم
و مرّة وثّابا، كما قال الراعي في الحطيئة: [من الطويل]
ألا قبّح اللّه الحطيئة إنّه # على كلّ ضيف ضافه فهو سالح [١]
وقعنا إليه و هو يخنق كلبه # دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح
و قال أعشى بني تغلب: [من الطويل]
بكيت على زاد خبيث قريته # ألا كلّ عبسيّ على الزاد نابح
و قال الفرزدق: [من الطويل]
و لا تنزع الأضياف إلاّ إلى فتى # إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا
(و قال الآخر:
دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح
و قال الآخر:
ألا كلّ كلب لا أبا لك نابح
و قال الفرزدق:
إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا) [٢]
و متى صار الكلب يأبى النباح؟!فهذا على أنّهم يتشفّون بذكر الكلب، و يرتفقون به، لا على أنّ هذا الأمر الذي ذكروه قد كان على الحقيقة.
و قال الآخر، و هو جرير: [من الطويل]
و لو كنت في نجران أو بعماية # إذن لأتاني من ربيعة راكب [٣]
يثير الكلاب آخر اللّيل وطؤه # كضبّ العراد خطوه متقارب [٤]
فبات يمنّينا الربيع و صوبه # و ينظر من لقّاعة و هو كاذب [٥]
فذكر تقارب خطوه، و إخفاء حركته، و أنّه مع ذلك قد أثار الكلاب من آخر الليل، و ذلك وقت نومها و راحتها، و هذا يدلّ على تيقّظها و دقّة حسّها.
[١] الأبيات للراعي في العمدة ٢/١٥١، و لابن أعيا في البخلاء ٢٤١، و الأغاني ٢/١٧٢-١٧٣، و بلا نسبة في الوحشيات ٢٤١.
[٢] ما بين قوسين هو أعجاز أبيات سابقة.
[٣] ديوان جرير ٤٢ (طبعة الصاوي) .
[٤] العراد: شجر صلب العود؛ منتشر الأغصان.
[٥] اللقاعة: الكثير الكلام.