الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٩٧ - ٢٢٨- ما يسمى شيطانا و ليس به
ذلك الدّهر، معنى. و إلاّ فالنّاس في جميع أقطار الأرض لا يجمعون على مسالمة أصحاب المعاصي، الذين قد خلعوا عذرهم و أبرزوا صفحتهم. بل ما ترى خصما يطعن على شاهد عند قاض بأنّ في داره كلبا، و لا ترى حكما يردّ بذلك شهادة. بل لو كان اتّخاذ الكلاب مأمورا به، لما كان إلاّ كذلك.
و لو أنّكم حملتم حكم جميع الهداهد على حكم هدهد سليمان [١] ، و جميع الغربان على حكم غراب نوح [٢] ، و جميع الحمام على حكم حمامة السفينة [٣] ، و جميع الذئاب على حكم ذئب أهبان بن أوس، و جميع الحمير على حكم حمار عزير [٤] -لكان ذلك حكما مردودا.
٢٢٧-[أمور حدثت في دهر الأنبياء]
و قد نعرض لخصائص الأمور أسباب في دهر الأنبياء و نزول الوحي، لا يعرض مثلها في غير زمانهم [٥] : قد كان جبريل عليه السلام يمشي في الأرض على صورة دحية الكلبيّ، و كان إبليس يتراءى في السّكك في صورة سراقة المدلجي، و ظهر في صورة الشيخ النّجدي. و مثل هذا كثير.
٢٢٨-[ما يسمى شيطانا و ليس به]
فإن زعمتم أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم نظر إلى رجل يتبع حماما طيّارا فقال: «شيطان يتبع شيطانا» ، فخبّرونا عمن يتخذ الحمام من بين جميع سكان الآفاق و نازلة البلدان من الحرميّين و البصريّين و من بني هاشم إلى من دونهم، أ تزعمون أنّهم شياطين على الحقيقة، و أنّهم من نجل الشياطين؛ أو تزعمون أنّهم كانوا إنسا فمسخوا بعد جنّا؛ أم يكون قوله لذلك الرجل شيطان، على مثل قوله شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ و على قول عمر: لأنزعنّ شيطانه من نعرته [٦] ، و على قول منظور بن رواحة: [من الطويل]
فلما أتاني ما تقول ترقّصت # شياطين رأسي و انتشين من الخمر [٧]
[١] في ثمار القلوب (٧٠٦) : هدهد سليمان: يضرب مثلا للإنسان الحقير يدلّ على الملك الخطير.
[٢] في ثمار القلوب (١٠٠) : غراب نوح: يضرب مثلا للرسول الذي لا يعود.
[٣] في ثمار القلوب (٦٧٨) : و يقال لها أيضا: حمامة السفينة.
[٤] في ثمار القلوب (١٢٨) : حمار عزير: يضرب مثلا للمنكوب الذي ينتعش.
[٥] الخبر في ثمار القلوب (١٣٨) .
[٦] النهاية ٥/٨٠: أي حتى أزيل نخوته، و أخرج جهله من رأسه.
[٧] البيت في ثمار القلوب (١٤٩) ، و حاشية معجم الشعراء ٢٨٢.