الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٦٢ - 60- صعوبة كتب الأخفش
فيه من الرويّة، و يحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السّفلة و الحشو، و يحطّه من غريب الأعراب و وحشيّ الكلام، و ليس له أن يهذّبه جدّا، و ينقّحه و يصفّيه و يروّقه، حتى لا ينطق إلاّ بلبّ اللّبّ، و باللفظ الذي قد حذف فضوله، و أسقط زوائده، حتّى عاد خالصا لا شوب فيه؛ فإنّه إن فعل ذلك، لم يفهم عنه إلا بأن يجدّد لهم إفهاما مرارا و تكرارا، لأنّ النّاس كلّهم قد تعوّدوا المبسوط من الكلام، و صارت أفهامهم لا تزيد على عاداتهم إلا بأن يعكس عليها و يؤخذ بها. أ لا ترى أنّ كتاب المنطق الذي قد وسم بهذا الاسم، لو قرأته على جميع خطباء الأمصار و بلغاء الأعراب، لما فهموا أكثره، و في كتاب إقليدس كلام يدور، و هو عربيّ و قد صفّي، و لو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، و لا يمكن أن يفهّمه من يريد تعليمه، لأنّه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، و تعوّد اللفظ المنطقيّ الذي استخرج من جميع الكلام.
٥٩-[قول صحار العبدي في الإيجاز]
قال معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه عنهما، لصحار العبدي: ما الإيجاز؟قال:
أن تجيب فلا تبطئ، و تقول فلا تخطئ. قال معاوية: أ و كذلك تقول!!قال صحار:
أقلني يا أمير المؤمنين!لا تخطئ و لا تبطئ [١] .
فلو أنّ سائلا سألك عن الإيجاز، فقلت: لا تخطئ و لا تبطئ، و بحضرتك خالد بن صفوان، لما عرف بالبديهة و عند أوّل وهلة، أنّ قولك «لا تخطئ» متضمّن بالقول، و قولك «لا تبطئ» متضمّن بالجواب. و هذا حديث كما ترى آثروه و رضوه، و لو أن قائلا قال لبعضنا: ما الإيجاز؟لظننت أنّه يقول: الاختصار.
و الإيجاز ليس يعنى به قلّة عدد الحروف و اللفظ، و قد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طومار فقد أوجز، و كذلك الإطالة، و إنّما ينبغي له أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا لإغلاقه، و لا يردّد و هو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل.
٦٠-[صعوبة كتب الأخفش]
و قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنّحو، فلم لا تجعل كتبك
[١] ورد حديث صحار و معاوية في البيان ١/٩٦. مع خلاف.