الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٩٢ - ١٠١- عير أبي سيارة
و لا يكون من اليعملات و لا من السابقة، و لو عالوه و كفوه مئونة تكلف المأكول و المشروب، ثم بلغ إلى أن يصير جملا يمكنه الضّراب. و كذلك الأنثى التي هي الحائل إلى أن تصير ناقة؛ فلو ألقحها الفحل لجاء ولدها أقصر عنقا من الفيل، الذي لو لم يجعل اللّه تعالى له خرطوما يتناول به طعامه و شرابه، لمات جوعا و هزالا؛ و ليس كذلك العراب. و إذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز و البخت الكريمة التي تجمع عامّة خصال العراب و خصال البخت، فيكون ما يخرج التركيب من هذين الجنسين أكرم و أفخم و أنفس و أثمن. و متى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل البهونيّة [١] و الصّرصرانية [٢] فتخرج أقبح منظرا من أبويها، و أشدّ أسرا من أبويها. و قال الراجز: [من الرجز]
و لا بهونيّ من الأباعر
و بعد؛ فإنّ هذه الشّهريّة الخراسانية، يخرج لها أبدان فوق أبدان أمّهاتها و آبائها من الخيل و البراذين، و تأخذ من عتق الخيل، و من وثاجة [٣] البراذين، و ليس نتاجها كنتاج البرذون خالصا و الفرس خالصا.
و ما أشبه قرابة الحمار بالرّمكة و الحجر، من قرابة الجمل الفالج البختيّ بقرابة القلوص الأعرابيّة.
١٠٠-[أطول الحمير أعمارا]
و يقال إن الحمر الوحشيّة، و بخاصّة الأخدريّة، أطول الحمير أعمارا و إنما هي من نتاج الأخدر، فرس كان لأردشير بن بابك صار وحشيّا فحمى عدّة عانات فضرب فيها، فجاء أولاده منها أعظم من سائر الحمر و أحسن. و خرجت أعمارها عن أعمار الخيل و سائر الحمر-أعني حمر الوحش-فإنّ أعمارها تزيد على الأهليّة مرارا عدّة.
١٠١-[عير أبي سيارة]
و لا يعرفون حمارا وحشيّا عاش أكثر و عمّر أطول من عير أبي سيّارة عميلة بن أعزل؛ فإنهم لا يشكّون أنّه دفع عليه بأهل الموسم أربعين عاما [٤] !!
[١] البهونية من الإبل: ما بين الكرمانية و العربية، و هو دخيل في العربية. اللسان و التاج (بهن) .
[٢] الصرصرانيات: بين البخاتي و العراب؛ أو الفوالج. اللسان (صرر) .
[٣] الوثاجة: كثرة اللحم. اللسان: وثج ٢/٣٩٦.
[٤] الخبر في البيان ١/٣٠٧-٣٠٨، و ربيع الأبرار ٥/٤٠١، و مروج الذهب ١/١٧٤. و في كتب الأمثال: «أصح من عير أبي سيارة» و المثل في مجمع الأمثال ١/٤١٠، و المستقصى ١/٢٠٥، و فصل المقال ٥٠١، و الأمثال لابن سلام ٣٧٣. و انظر ثمار القلوب ٢٩٥ (٥٥٣) .