الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥ - 20- آلة البيان
بينهم و بين العجز، إلاّ بعدم الأعيان، إذ كان العجز صفة من صفات الخلق، و نعتا من نعوت العبيد.
لم يخلق اللّه تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه دون الاستعانة ببعض من سخّر له، فأدناهم مسخّر لأقصاهم، و أجلّهم ميسّر لأدقّهم. و على ذلك أحوج الملوك إلى السّوقة في باب، و أحوج السّوقة إلى الملوك في باب، و كذلك الغنيّ و الفقير، و العبد و سيّده. ثمّ جعل اللّه تعالى كلّ شيء للإنسان خولا، و في يده مذلّلا ميسّرا إمّا بالاحتيال له و التلطّف في إراغته و استمالته، و إمّا بالصّولة عليه، و الفتك به، و إمّا أن يأتيه سهوا و رهوا. على أنّ الإنسان لو لا حاجته إليها، لما احتال لها، و لا صال عليها.
إلاّ أنّ الحاجة تفترق في الجنس و الجهة و الجبلّة، و في الحظّ و التقدير.
ثمّ تعبّد الإنسان بالتفكّر فيها، و النظر في أمورها، و الاعتبار بما يرى، و وصل بين عقولهم و بين معرفة تلك الحكم الشريفة، و تلك الحاجات اللازمة، بالنظر و التفكير، و بالتنقيب و التنقير، و التثبت و التوقّف؛ و وصل معارفهم بمواقع حاجاتهم إليها، و تشاعرهم بمواضع الحكم فيها بالبيان عنها.
٢٠-[آلة البيان]
و هو البيان الذي جعله اللّه تعالى سببا فيما بينهم، و معبّرا عن حقائق حاجاتهم، و معرّفا لمواضع سدّ الخلّة و رفع الشبهة، و مداواة الحيرة، و لأنّ أكثر الناس عن الناس أفهم منهم عن الأشباح الماثلة، و الأجسام الجامدة، و الأجرام الساكنة، التي لا يتعرّف ما فيها من دقائق الحكمة و كنوز الآداب، و ينابيع العلم، إلاّ بالعقل الثاقب اللطيف، و بالنظر التامّ النافذ، و بالأداة الكاملة، و بالأسباب الوافرة، و الصبر على مكروه الفكر، و الاحتراس من وجوه الخدع. و التحفّظ من دواعي الهوى؛ و لأنّ الشّكل أفهم عن شكله، و أسكن إليه و أصبّ به. و ذلك موجود في أجناس البهائم، و ضروب السباع. و الصبيّ عن الصبيّ أفهم له، و له آلف و إليه أنزع، و كذلك العالم و العالم، و الجاهل و الجاهل، و قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه عليه الصلاة و السلام: وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً [١] لأنّ الإنسان عن الإنسان أفهم، و طباعه بطباعه آنس؛ و على قدر ذلك يكون موقع ما يسمع منه.
ثمّ لم يرض لهم من البنيان بصنف واحد، بل جمع ذلك و لم يفرّق، و كثّر و لم
[١] الأنعام/٦: ٩.