الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٣ - ١٠- اهتمام العلماء بالملح و الفكاهات
سهادك، و أقلّ رقادك، فو اللّه إن قتلت إلاّ نساء أعاليهنّ ثديّ، و أسافلهنّ دمى!!فقال لمن حوله: لو لا أن تلد هذه مثلها لخلّيت سبيلها!فبلغ ذلك الحسن فقال: أمّا الجحّاف فجذوة من نار جهنّم.
قال: و ذمّ رجل عند الأحنف بن قيس الكمأة بالسّمن، فقال عند ذلك الأحنف: «ربّ ملوم لا ذنب له» [١] .
فبهذه السيرة سرت فينا.
و ما أحسن ما قال سعيد بن عبد الرحمن: [من الطويل]
و إنّ امرأ أمسى و أصبح سالما # من النّاس إلاّ ما جنى لسعيد [٢]
١٠-[اهتمام العلماء بالملح و الفكاهات]
و قلت: و ما بال أهل العلم و النظر، و أصحاب الفكر و العبر، و أرباب النّحل، و العلماء و أهل البصر بمخارج الملل، و ورثة الأنبياء، و أعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظّرفاء و الملحاء، و كتب الفرّاغ و الخلعاء، و كتب الملاهي و الفكاهات، و كتب أصحاب الخصومات، و كتب أصحاب المراء، و كتب أصحاب العصبيّة و حميّة الجاهليّة!!أ لأنّهم لا يحاسبون أنفسهم، و لا يوازنون بين ما عليهم و لهم، و لا يخافون تصفّح العلماء، و لا لائمة الأرباء، و شنف الأكفاء، و مشنأة [٣] الجلساء!؟ فهلا أمسكت-يرحمك اللّه-عن عيبها و الطّعن عليها، و عن المشورة و الموعظة، و عن تخويف ما في سوء العاقبة، إلى أن تبلغ حال العلماء، و مراتب الأكفاء؟! فأمّا كتابنا هذا، فسنذكر جملة المذاهب فيه، و سنأتي بعد ذلك على التفسير، و لعلّ رأيك عند ذلك أن يتحوّل، و قولك أن يتبدل، فتثبت أو تكون قد أخذت من التوقّف بنصيب، إن شاء اللّه.
[١] مجمع الأمثال ١/٣٠٥، و جمهرة الأمثال ١/٤٧٤، و المستقصى ٢/٩٩، و فصل المقال ٧٣.
و البيان ٢/٣٤٤، ٣٦٤، و البخلاء ١٨٧.
[٢] البيت لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في البيان ١/٣٦٤، و لحسان بن ثابت في ديوانه ١٩٨، و عيون الأخبار ٢/١٢.
[٣] الشنف و المشنأة: البغض.