الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٢٧ - ٢٤٦- تصغير الكلام
التعريج و التلوين، كأنّه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية. و كان أحبّ أن يقال قوس اللّه، فيرفع من قدره، كما يقال بيت اللّه، و زوّار اللّه، و أرض اللّه، و سماء اللّه، و أسد اللّه [١] .
و قالت عائشة رضي اللّه عنها: «قولوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خاتم النبيين، و لا تقولوا: لا نبيّ بعده» فإلاّ تكن ذهبت إلى نزول المسيح فما أعرف له وجها إلاّ أن تكون قالت لا تغيّروا ما سمعتم، و قولوا كما قيل لكم، و الفظوا بمثله سواء.
و كره ابن عمر رضي اللّه عنهما قول القائل: أسلمت في كذا و كذا، و قال: ليس الإسلام إلاّ للّه عزّ و جلّ. و هذا الكلام مجازه عند الناس سهل، و قد كرهه ابن عمر، و هو أعلم بذلك.
و كره ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قول القائل: أنا كسلان.
و قال عمر: لا تسمّوا الطريق السّكّة.
و كره أبو العالية قول القائل: كنت في جنازة، و قال: قل تبعت جنازة. كأنّه ذهب إلى أنّه عنى أنّه كان في جوفها، و قال قل تبعت جنازة. و الناس لا يريدون هذا، و مجاز هذا الكلام قائم، و قد كرهه أبو العالية، و هي عندي شبيه بقول من كره أن يقول: أعطاني فلان نصف درهم. و قال: إذا قلت: كيف تكيل الدقيق؟فليس جوابه أن تقول: القفيز بدنينير، و لكن يتناول القفيز ثم يكيل به الدقيق، و يقول: هكذا الكيلة و هذا من القول مسخوط! و كره ابن عبّاس قول القائل: الناس قد انصرفوا، يريد من الصلاة، قال بل قولوا:
قد قضوا الصلاة، و قد فرغوا من الصلاة، و قد صلّوا؛ لقوله: ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ [٢] ، قال: و كلام الناس: كان ذلك حين انصرفنا من الجنازة، و قد انصرفوا من السّوق، و انصرف الخليفة، و صرف الخليفة الناس من الدار اليوم بخير، و كنت في أوّل المنصرفين. و قد كرهه ابن عبّاس. و لو أخبرونا بعلّته انتفعنا بذلك.
و كره حبيب بن أبي ثابت، أن يقال للحائض طامث، و كره مجاهد قول القائل:
دخل رمضان، و ذهب رمضان، و قال: قولوا شهر رمضان، فلعلّ رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى.
[١] انظر ثمار القلوب (٥٧-٩٦) «الباب الأول فيما يضاف إلى اسم اللّه تعالى عز ذكره» .
[٢] . ١٢٧/التوبة: ٩.