الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤١ - 171- عود إلى الحوار في شأن الكلب و الديك
و لقد سأل زياد ليلة من الليالي: من على شرطتكم؟قالوا: بلج بن نشبة الجشميّ. فقال: [من الطويل]
و ساع مع السلطان يسعى عليهم # و محترس من مثله و هو حارس
و يقال: إن الشاعر قال هذا الشعر في الفلافس النّهشليّ، حين ولي شرطة الحارث بن عبد اللّه فقال: [من الطويل]
أقلّي عليّ اللوم يا ابنة مالك # و ذمّي زمانا ساد فيه الفلافس [١]
و ساع مع السلطان يسعى عليهم # و محترس من مثله و هو حارس
و ليس يحكم لصغار المضارّ على كبارها بل الحكم للغامر على المغمور و القاهر على المقهور. و لو قد حكينا ما ذكر هذا الشّيخ من خصال الكلب و ذكر صاحبه من خصال الديك، أيقنت أنّ العجلة من عمل الشيطان، و أنّ العجب بئس الصاحب.
و قلت: و ما يبلغ من قدر الكلب و من مقدار الديك، أن يتفرّغ لهما شيخان من جلّة المعتزلة، و هم أشراف أهل الحكمة؛ فأيّ شيء بلغ، غفر اللّه تعالى لك، من قدر جزء لا يتجزّأ من رمل عالج، و الجزء الأقلّ من أوّل قطع الذّرّة للمكان السحيق، و الصحيفة التي لا عمق لها، و لأيّ شيء يعنون بذلك، و ما يبلغ من ثمنه و قدر حجمه، حتّى يتفرّغ للجدال فيه الشّيوخ الجلّة، و الكهول العلية، و حتّى يختاروا النّظر فيه على التسبيح و التهليل، و قراءة القرآن و طول الانتصاب في الصلاة؛ و حتّى يزعم أهله أنّه فوق الحجّ و الجهاد، و فوق كل برّ و اجتهاد. فإن زعمت أنّ ذلك كلّه سواء، طالت الخصومة معك، و شغلتنا بهما عمّا هو أولى بنا فيك. على أنّك إذا عممت ذلك كلّه بالذمّ، و جلّلته بالعيب، صارت المصيبة فيك أجلّ، و العزاء عنها أعسر. و إن زعمت أنّ ذلك إنّما جاز لأنّهم لم يذهبوا إلى أثمان الأعيان في الأسواق، و إلى عظم الحجم، و إلى ما يروق العين و يلائم النفس، و أنّهم إنّما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه، و إلى نتيجته، و ما يتولّد عنه من علم النّهايات، و من باب الكلّ و البعض، و كان و يكون، و من باب ما يحيط به العلم أو ما يفضل عنه، و من فرق ما بين مذاهب الدّهريّة و مذاهب الموحّدين. فإن كان هذا العذر مقبولا، و هذا الحكم صحيحا، فكذلك نقول في الكلب، لأنّ الكلب ليس له خطر ثمين و لا قدر في الصدر جليل؛ لأنّه إن
[١] البيتان في عيون الأخبار ١/٥٧، و الشعر و الشعراء ٤١٢. و انظر مجمع الأمثال ٢/٣٢١، و المستقصى ٢/٣٤٢، و فصل المقال ٩٤.