الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٩ - 26- فضل الكتاب
و القلم مكتف بنفسه، لا يحتاج إلى ما عند غيره؛ و لا بدّ لبيان اللسان من أمور: منها إشارة اليد، و لو لا الإشارة لما فهموا عنك خاصّ الخاصّ إذا كان أخصّ الخاصّ قد يدخل في باب العامّ، إلاّ أنّه أدنى طبقاته؛ و ليس يكتفي خاصّ الخاصّ باللفظ عمّا أدّاه، كما اكتفى عامّ العامّ و الطبقات التي بينه و بين أخصّ الخاصّ.
و الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، و الصديق الذي لا يغريك، و الرفيق الذي لا يملّك، و المستميح الذي لا يستريثك [١] ، و الجار الذي لا يستبطيك، و الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، و لا يعاملك بالمكر، و لا يخدعك بالنّفاق، و لا يحتال لك بالكذب. و الكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، و شحذ طباعك، و بسط لسانك، و جوّد بنانك، و فخّم ألفاظك، و بجّح [٢] نفسك، و عمّر صدرك، و منحك تعظيم العوامّ و صداقة الملوك، و عرفت به في شهر، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، و من كدّ الطلب، و من الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، و من الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا، و أكرم منه عرقا، و مع السلامة من مجالسة البغضاء و مقارنة الأغبياء.
و الكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، و يطيعك في السفر كطاعته في الحضر، و لا يعتلّ بنوم، و لا يعتريه كلال السهر. و هو المعلّم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرك [٣] ، و إن قطعت عنه المادّة لم يقطع عنك الفائدة، و إن عزلت لم يدع طاعتك، و إن هبّت ريح أعاديك لم ينقلب عليك، و متى كنت منه متعلّقا بسبب أو معتصما بأدنى حبل، كان لك فيه غنى من غيره، و لم تضطرّك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء. و لو لم يكن من فضله عليك، و إحسانه إليك، إلاّ منعه لك من الجلوس على بابك، و النظر إلى المارّة بك، مع ما في ذلك من التعرّض للحقوق التي تلزم، و من فضول النظر، و من عادة الخوض فيما لا يعنيك، و من ملابسة صغار الناس، و حضور ألفاظهم الساقطة، و معانيهم الفاسدة، و أخلاقهم الرديّة، و جهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمة، و إحراز الأصل، مع استفادة الفرع.
و لو لم يكن في ذلك إلاّ أنّه يشغلك عن سخف المنى و عن اعتياد الراحة، و عن اللعب، و كلّ ما أشبه اللعب، لقد كان على صاحبه أسبغ النعمة و أعظم المنّة.
[١] استراث: استبطأ. (اللسان: ريث) .
[٢] بجّح: فرّح. (اللسان: بجح) .
[٣] الخفر: شدة الحياء. (اللسان: خفر) .