الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٠٢ - 232- قتل الفواسق
و الغراب، و رويتم في الكلب العقور، و كيف يقتلن في الحل و الحرم. فإن كنتم فقهاء فقد علمتم أنّ تسمية الغراب بالفسق، و الفأرة بالفويسقة؛ أنّ ذلك ليس من شكل تسمية الفاسق، و لا من شكل تسمية إبليس.
و قد قالوا: ما فجرها إلاّ فاجر، و لم يجعلوا الفاجر اسما له لا يفارقه. و قد يقال للفاسق من الرجال: خبيث. و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «من أكل من هذه الشّجرة الخبيثة فلا يقربنّ مصلاّنا» و هو على غير قوله عزّ و جلّ اَلْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ [١] . و قد قال بعض الرّجّاز و ذكر ذئبا: [من الرجز]
أما أتاك عنّي الحديث # إذ أنا بالغائط أستغيث
و الذئب وسط غنمي يعيث # و صحت بالغائط يا خبيث
و هذا الباب كثير، و ليس هذا موضعه، و قد ذكرناه في كتاب الاسم و الحكم.
و قد يشبه الاسم الاسم في صورة تقطيع الصوت، و في الخطّ في القرطاس، و إن اختلفت أماكنه و دلائله. فإذا كان كذلك فإنّما يعرف فضله بالمتكلّمين به، و بالحالات و المقالات، و بالذين عنوا بالكلام. و هذه جملة، و تفسيرها يطول.
و قالوا: قد أمرنا بقتل الحيّة و العقرب، و الذئب و الأسد، على معنى ينتظم معنيين: أحدهما الامتحان و التعبّد بفكر القلب و عمل الجارحة، لا على وجه الانتقام و العقوبة. و أمرنا بضرب الباغي بالسيف إذا كانت العصى لا تغني فيه على جهة الدّفع و على جهة العقاب، و لم نؤمر بالقصد إلى قتله، و إنّما الغاية في دفع بأسه عنا، فإن أتى إلى ذلك المقدار عليه، كان كسارق مات من قطع يده، و قاذف مات عن جلد ظهره.
و قد أمرنا بالقصد إلى قتل الحيّات و العقارب و إن لم تعرض لنا في ذلك الوقت؛ لأنّ جنسها الجنس المتلف متى همّ بذلك. و ليس لنا أن نضرب الباغي بالسّيف إلاّ و هو مقبل غير مدبر، و لنا أن نقتل الحيّة مقبلة و مدبرة، كما يقتل الكافر مقبلا و مدبرا؛ إلاّ أنّ قتل الكافر يجمع الامتحان و العقوبة، و ليس في قتل الحية إلاّ الامتحان. و قد كان يجوز أن تمتحن بحبسها و الاحتيال لمنعها، دون قتلها. و إذا ولّى الباغي من غير أن يكون يريد الرجوع إلى فئة، فحكمه الأسر و الحبس أبدا إلى أن يؤنس منه النّزوع.
و سبيل الأحناش و السّباع و ذوات السموم من الهمج و الحشرات، القتل مقبلة و مدبرة.
و قد أبيح لنا قتل ضروب من الحيوان عند ما يبلغ من جناياتها علينا الخدش، فضلا من الجرح و القتل، كالبعوض و النمل، و البراغيث و القمل.
[١] . ٢٦/النور.