الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٦٠ - 192- أقوال لمسبّح الكناس
و قال آخر: [من الرجز]
كأنّ إبطيّ و قد طال المدى # نفحة خرء من كواميخ القرى [١]
و يقال إنّه ليس في الأرض رائحة أنتن، و لا أشدّ على النفس، من بخر فم أو نتن حر، و لا في الأرض رائحة أعصم لروح من رائحة التفاح.
١٩١-[فوائد العذرة]
و قال صاحب الكلب: فما نرى النّاس يعافون تسميد بقولهم قبل نجومها و تفتّق بزورها و لا بعد انتشار ورقها و ظهور موضع اللّبّ منها حتّى ربّما ذرّوا عليها السّماد ذرّا، ثمّ يرسل عليها الماء حتى يشرب اللّبّ قوى العذرة، بل من لهم بالعذرة؟!و على أنّهم ما يصيبونها إلاّ مغشوشة مفسدة. و كذلك صنيعهم في الريحان. فأمّا النّخل فلو استطاعوا أن يطلوا بها الأجذاع طليا لفعلوا. و إنّهم ليوقدون بها الحمّامات و أتاتين الملال [٢] ، و تنانير الخبز. و من أكرم سمادهم الأبعار كلّها و الأخثاء [٣] إذا جفّت. و ما بين الثّلط [٤] جافا و الخثاء يابسا، و بين العذرة جافّة و يابسة فرق. و على أنّهم يعالجون بالعذرة و بخرء الكلب، من الذّبحة و الخانوق [٥] في أقصى مواضع التقزّز و هو أقصى الحلق، و مواضع اللهاة، و يضعونها على مواضع الشّوكة، و يعالجون بها عيون الدّوابّ.
١٩٢-[أقوال لمسبّح الكناس]
و قال مسبّح الكناس: إنّما اشتقّ الخير من الخرء. و الخرء في النوم خير. و سلحة مدركة ألذّ من كوم العروس ليلة العرس. و لقد دخلت على بعض الملوك لبعض الأسباب، و إذا به قعاص [٦] و زكام و ثقل رأس، و إذا ذلك قد طاوله، و قد كان بلغني أنّه كان هجر الجلوس على المقعدة و إتيان الخلاء، فأمرته بالعود إلى عادته، فما مرّت به أيام حتى ذهب ذلك عنه.
و زعم أنّ الدنيا منتنة الحيطان و التّربة، و الأنهار و الأودية، إلاّ أنّ النّاس قد
[١] الكامخ: نوع من الأدم معرب.
[٢] الأتاتين: جمع أتون، و هو الموقد. الملال: جمع مليل، و هو اللحم و الخبز.
[٣] الأخثاء: روث الإبل.
[٤] الثلط: الرقيق من الرجيع؛ و أكثر ما يقال للإبل و البقر و الفيلة.
[٥] الخانوق: الذبحة.
[٦] القعاص: داء يأخذ في الصدر، كأنه يكسر العنق.