الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٤ - 72- طلب النسل
علّ بنيّ يشدّ اللّه كثرتهم # و النّبع ينبت قضبانا فيكتهل
و قال الآخر: [من الرجز]
إنّ بنيّ صبية صيفيّون # أفلح من كان له ربعيّون [١]
يشكو كما ترى صغر البنين، و ضعف الأسر.
و ما أكثر ما يطلب الرجل الولد نفاسة بماله على بني عمّه، و لإشفاقه من أن تليه القضاة و ترتع فيه الأمناء، فيصير ملكا للأولياء، و يقضي به القاضي الذّمام و يصطنع به الرجال.
و ربما همّ الرجل بطلب الولد لبقاء الذكر، و للرغبة في العقب، أو على جهة طلب الثواب في مباهاة المشركين، و الزيادة في عدد المسلمين، أو للكسب و الكفاية، و للمدافعة و النّصرة، و للامتناع، و بقاء نوع الإنسان، و لما طبع اللّه تعالى تعالى بني آدم عليه، من حبّ الذّرّيّة و كثرة النسل، كما طبع اللّه تعالى الحمام و السنانير على ذلك، و إن كان إذا جاءه الولد زاد في همّه و نصبه، و في جبنه و بخله، و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «الولد مجبنة مبخلة مجهلة» [٢] فيحتمل في الولد المؤن المعروفة، و الهموم الموجودة لغير شيء قصد له، و ليس في ذلك أكثر من طلب الطباع، و نزوع النفس إلى ذلك.
و ذكر أبو الأخزر الحمّاني عير العانة بخلاف ما عليه أصحاب الزّواج من الحيوان، فقال عند ذكر سفاده: [من الرجز]
لا مبتغي الذرء و لا بالعازل
لأنّ الإنسان من بين الحيوان المزاوج، إذا كره الولد عزل، و المزاوج من أصناف الحيوانات إنّما غايتها طلب الذرء و الولد. لذلك سخّرت، و له هيّئت، لما أراد اللّه تعالى من إتمام حوائج الإنسان. و الحمار لا يطلب الولد، فيكون إفراغه في الأتان لذلك، و لا إذا كان لا يريد الولد عزل كما يعزل الإنسان، غير أنّ غايته قضاء الشهوة فقط، ليس يخطر على باله أنّ ذلك الماء يخلق منه شيء.
و روى ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: «ليس في البهائم شيء يعمل عمل قوم لوط إلا الحمار» .
[١] الرجز لسعد بن مالك بن ضبيعة في اللسان و التاج (ربع) ، و للأكثم الصيفي في التاج (صيف) ، و بلا نسبة في تهذيب اللغة ٢/٣٧١، و الجمهرة ٣١٧، و المقاييس ٣/٣٢٦ و المخصص ١/٣٠.
[٢] الحديث في النهاية ١/١٠٣، و غريب ابن الجوزي ١/١٨٢-١٨٣.