الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٩ - 52- أشرف الكتب
الرجوع، و الأنفة من الخضوع؛ و عن جميع ذلك تحدث الضغائن، و يظهر التباين. و إذا كانت القلوب على هذه الصّفة و على هذه الهيئة، امتنعت من التعرّف، و عميت عن مواضع الدلالة، و ليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية، و إصابة الحجّة، لأنّ المتوحّد بدرسها، و المنفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه و لا يغالب عقله، و قد عدم من له يباهي و من أجله يغالب [١] .
٥١-[الكتاب قد يفضل الكاتب] [٢]
و الكتاب قد يفضل صاحبه، و يتقدّم مؤلّفه، و يرجّح قلمه على لسانه بأمور:
منها أنّ الكتاب يقرأ بكلّ مكان، و يظهر ما فيه على كلّ لسان، و يوجد مع كلّ زمان، على تفاوت ما بين الأعصار، و تباعد ما بين الأمصار، و ذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، و المنازع في المسألة و الجواب. و مناقلة اللسان و هدايته لا تجوزان مجلس صاحبه، و مبلغ صوته. و قد يذهب الحكيم و تبقى كتبه، و يذهب العقل و يبقى أثره.
و لو لا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، و خلّدت من عجيب حكمتها، و دوّنت من أنواع سيرها، حتّى شاهدنا بها ما غاب عنّا، و فتحنا بها كلّ مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، و أدركنا ما لم نكن ندركه إلاّ بهم، لما حسن حظّنا من الحكمة، و لضعف سببنا إلى المعرفة. و لو لجأنا إلى قدر قوّتنا، و مبلغ خواطرنا، و منتهى تجاربنا لما تدركه حواسّنا، و تشاهده نفوسنا، لقلّت المعرفة، و سقطت الهمّة، و ارتفعت العزيمة، و عاد الرأي عقيما، و الخاطر فاسدا، و لكلّ الحدّ و تبلّد العقل.
٥٢-[أشرف الكتب]
و أكثر من كتبهم نفعا، و أشرف منها خطرا، و أحسن موقعا، كتب اللّه تعالى، فيها الهدى و الرحمة، و الإخبار عن كلّ حكمة، و تعريف كلّ سيّئة و حسنة. و ما زالت كتب اللّه تعالى في الألواح و الصّحف، و المهارق [٣] و المصاحف. و قال اللّه عزّ و جلّ الم `ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ [٤] . و قال مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْءٍ [٥] .
و يقال لأهل التّوراة و الإنجيل: أهل الكتاب.
[١] ورد هذا القول في رسائله ٤/٢٩٦، مع خلاف يسير.
[٢] انظر رسائل الجاحظ ٤/٢٩٦-٢٩٧.
[٣] المهارق: جمع مهرق، و هي الصحيفة البيضاء يكتب فيها، فارسي معرب. اللسان (هرق) .
[٤] . ١: البقرة/٢.
[٥] الأنعام/٦: ٣٨.