الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥ - 35- ضروب من الخطوط و منفعتها
و دفّتين طائفيّتين، بخطّ عجيب-فقيل له: لقد أضيع من تجوّد بشعر أبي الشمقمق!فقال: لا جرم و اللّه!!إنّ العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، و لو استطعت أن أودعه سويداء قلبي، أو أجعله محفوظا على ناظري، لفعلت.
و لقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته، فرأيت السّماطين و الرجال مثولا كأنّ على رءوسهم الطير، و رأيت فرشته و بزّته؛ ثم دخلت عليه و هو معزول، و إذا هو في بيت كتبه، و حواليه الأسفاط و الرّقوق، و القماطر و الدفاتر و المساطر و المحابر، فما رأيته قطّ أفخم و لا أنبل، و لا أهيب و لا أجزل منه في ذلك اليوم؛ لأنّه جمع مع المهابة المحبّة، و مع الفخامة الحلاوة، و مع السّؤدد الحكمة.
و قال ابن داحة: كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، لا يجالس الناس، و ينزل مقبرة من المقابر، و كان لا يكاد يرى إلاّ و في يده كتاب يقرؤه. فسئل عن ذلك، و عن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر، و لا أمنع من كتاب، و لا أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء!فقال: ما أفسدها للجاهل و أصلحها للعاقل!.
٣٥-[ضروب من الخطوط و منفعتها]
و ضروب من الخطوط بعد ذلك، تدلّ على قدر منفعة الخطّ. قال اللّه تبارك و تعالى كِرََاماً كََاتِبِينَ. `يَعْلَمُونَ مََا تَفْعَلُونَ [١] و قال اللّه عزّ و جلّ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. `مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. `بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [٢] و قال فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ [٣]
و قال وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ وَرََاءَ ظَهْرِهِ [٤] و قال اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفىََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [٥] .
و لو لم تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان، و لكنّه تعالى و عزّ، علم أنّ كتاب المحفوظ و نسخه، أوكد و أبلغ في الإنذار و التحذير، و أهيب في الصدور.
[١] . ٩٤: الانفطار/٨٢.
[٢] . ١٣: عبس/٨٠.
[٣] . ١٩: الحاقة/٦٩.
[٤] . ٢٥: الحاقة/٦٩.
[٥] . ١٤: الإسراء/١٧.