الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢ - 18- وصف الكتاب
الأنيس لساعة الوحدة، و نعم المعرفة ببلاد الغربة و نعم القرين و الدخيل، و نعم الوزير و النزيل. و الكتاب وعاء ملئ علما، و ظرف حشي ظرفا، و إناء شحن مزاحا و جدّا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، و إن شئت كان أعيا من باقل، و إن شئت ضحكت من نوادره، و إن شئت عجبت من غرائب فرائده، و إن شئت ألهتك طرائفه، و إن شئت أشجتك مواعظه. و من لك بواعظ مله، و بزاجر مغر، و بناسك فاتك، و بناطق أخرس، و ببارد حارّ. و في البارد الحارّ يقول الحسن بن هانئ: [من المنسرح]
قل لزهير إذا انتحى و شدا # أقلل أو أكثر فأنت مهذار [١]
سخنت من شدّة البرودة حـ # تّى صرت عندي كأنّك النار
لا يعجب السامعون من صفتي # كذلك الثلج بارد حار
و من لك بطبيب أعرابيّ، و من لك بروميّ هنديّ، و بفارسي يونانيّ، و بقديم مولّد، و بميّت ممتّع، و من لك بشيء يجمع لك الأوّل و الآخر، و الناقص و الوافر، و الخفيّ و الظاهر، و الشاهد و الغائب، و الرفيع و الوضيع، و الغثّ و السمين، و الشّكل و خلافه، و الجنس و ضدّه.
و بعد: فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن [٢] ، و روضة تقلّ في حجر، و ناطقا ينطق عن الموتى، و يترجم عن الأحياء!!و من لك بمؤنس لا ينام إلاّ بنومك، و لا ينطق إلاّ بما تهوى؛ آمن من الأرض، و أكتم للسرّ من صاحب السرّ، و أحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، و أحفظ لما استحفظ من الآدميّين، و من الأعراب المعربين، بل من الصّبيان قبل اعتراض الاشتغال، و من العميان قبل التمتّع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامّة لم تنقص، و الأذهان فارغة لم تنقسم، و الإرادة وافرة لم تتشعّب، و الطّينة ليّنة، فهي أقبل ما تكون للطبائع، و القضيب رطب، فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصال لم يخلق جديدها، و لم يوهن غربها، و لم تتفرّق قواها، و كانت كما قال الشاعر: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكّنا [٣]
[١] الأبيات في ديوان أبي نواس ٥٤٥، و عيون الأخبار ٢/٧، و العقد الفريد ٦/٧٥. و رواية صدر البيت الأول في ديوانه: (قل لزهير إذا اتكا و شدا) .
[٢] الردن: أصل الكم. و قيل هو الكم كله. (اللسان: ردن) .
[٣] البيت لمجنون ليلى في ديوانه ٢٨٢، و البيان ٢/٤٢، و ليزيد بن الطثرية في ديوانه ١٠٩، و الحماسة لابن الشجري ١٤٥، و لعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار ٣/٩.