الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٦٢ - 195- ما قيل في الظربان
أنت امرؤ في أرض أمّك فلفل # جمّ و فلفلنا هناك الدّندن [١]
فبحقّ أمّك و هي منك حقيقة # بالبرّ و اللّطف الذي لا يخزن
لا تدن فاك من الأمير و نحّه # حتّى يداوي ما بأنفك أهرن
إن كان للظّربان جحر منتن # فلجحر أنفك يا محمّد أنتن
و قال الربيع بن أبي الحقيق-و ذكر الظّربان-حين رمى قوما بأنّهم يفسون في مجالسهم، لأنّ الظّربان أنتن خلق اللّه تعالى فسوة [٢] . و قد عرف الظّربان ذلك فجعله من أشدّ سلاحه، كما عرفت الحبارى ما في سلاحها من الآلة، إذا قرب الصقر منها [٣] . و الظّربان يدخل على الضبّ جحره و فيه حسوله أو بيضه، فيأتي أضيق موضع في الجحر فيسدّه بيديه، و يحوّل استه فلا يفسو ثلاث فسوات حتى يدار بالضبّ فيخرّ سكران مغشيّا عليه، فيأكله، ثم يقيم في جحره حتّى يأتي على آخر حسوله.
و تقول العرب: إنّه ربّما دخل في خلال الهجمة فيفسو، فلا تتمّ له ثلاث فسوات حتى تتفرّق الإبل عن المبرك، تتركه و فيه قردان فلا يردّها الراعي، إلاّ بالجهد الشديد [٤] .
فقال الربيع، و هجاهم أيضا بريح التّيوس: [من المتقارب]
قليل غناؤهم في الهياج # إذا ما تنادوا لأمر شديد [٥]
و أنتم كلاب لدى دوركم # تهرّ هرير العقور الرّصود
و أنتم ظرابيّ إذ تجلسون # و ما إن لنا فيكم من نديد
و أنتم تيوس و قد تعرفون # بريح التّيوس و قبح الخدود
قال: و يقال: «أفسى من الظّربان» و يسمّى مفرّق النّعم، يريدون من نتن ريح فسائه. و يقال في المثل-إذا وقع بين الرجلين شرّ فتباينا و تقاطعا-: «فسا بينهما
[١] الدندن: ما بلي و اسود من النبات و الشجر، و قيل: هي أصول الشجر البالي.
[٢] ربيع الأبرار ٥/٢٨٣.
[٣] ربيع الأبرار ٥/٤٤٨.
[٤] ربيع الأبرار ٥/٢٨٣، و ثمار القلوب ٣٣٣ (٦١٧) .
[٥] الأبيات في ثمار القلوب ٣٣٣ (٦١٨) .