الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤٢ - 173- نسك طوائف من الناس
كان كلب صيد فديته أربعون درهما، و إن كان كلب ضرع فديته شاة، و إن كان كلب دار فديته زنبيل من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، و حقّ على صاحب الدار أن يقبله، فهذا مقدار ظاهر حاله و مفتّشه، و كوامن خصاله، و دفائن الحكمة فيه.
و البرهانات على عجيب تدبير الربّ تعالى ذكره فيه، على خلاف ذلك؛ فلذلك استجازوا النّظر في شأنه، و التمثيل بينه و بين نظيره.
و تعلم أيضا مع ذلك أن الكلب إذا كان فيه، مع خموله و سقوطه، من عجيب التدبير و النعمة السابغة و الحكمة البالغة، مثل هذا الإنسان الذي له خلق اللّه السموات و الأرض و ما بينهما، أحق بأن يفكر فيه، و يحمد اللّه تعالى على ما أودعه من الحكمة العجيبة، و النّعمة السابغة.
و قلت: و لو كان بدل النظر فيهما النظر في التوحيد، و في نفي التشبيه، و في الوعد و الوعيد، و في التعديل و التجوير، و في تصحيح الأخبار، و التفضيل بين علم الطبائع و الاختيار، لكان أصوب.
١٧٢-[دفاع عن المتكلمين]
و العجب أنّك عمدت إلى رجال لا صناعة لهم و لا تجارة إلاّ الدعاء إلى ما ذكرت، و الاحتجاج لما وصفت، و إلاّ وضع الكتب فيه و الولاية و العداوة فيه، و لا لهم لذة و لا همّ و لا مذهب و لا مجاز إلا عليه و إليه؛ فحين أرادوا أن يقسّطوا بين الجميع بالحصص، و يعدلوا بين الكلّ بإعطاء كلّ شيء نصيبه، حتّى يقع التعديل شاملا، و التقسيط جامعا، و يظهر بذلك الخفيّ من الحكم، و المستور من التدبير، اعترضت بالتعنّت و التعجّب، و سطّرت الكلام، و أطلت الخطب، من غير أن يكون صوّب رأيك أديب، و شايعك حكيم.
١٧٣-[نسك طوائف من الناس]
و سأضرب لك مثلا قد استوجبت أغلظ منه، و تعرّضت لأشدّ منه و لكنّا نستأني بك و ننتظر أوبتك. وجدنا لجميع أهل النّقص، و لأهل كلّ صنف منهم نسكا يعتمدون عليه في الجمال، و يحتسبون به في الطاعة و طلب المثوبة، و يفزعون إليه، على قدر فساد الطّباع، و ضعف الأصل، و اضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، و قلّة التثبّت و التوقّف، و مع كثرة التقلّب و الإقدام مع أوّل خاطر [١] : فنسك المريب
[١] تقدم القول على نسك طوائف من الناس في الفقرة (١٣٩) .