الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣٥ - 163- امتزاج الخير بالشر من مصلحة الكون
و أين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة، و لذّة السبع بلطع الدّم و أكل اللحم-من سرور الظّفر بالأعداء؛ و من انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع؟و أين ذلك من سرور السّودد و من عزّ الرئاسة؟و أين ذلك من حال النّبوّة و الخلافة، و من عزّهما و ساطع نورهما.
و أين تقع لذّة درك الحواسّ الذي هو ملاقاة المطعم و المشرب، و ملاقاة الصوت المطرب و اللّون المونق، و الملمسة الليّنة-من السرور بنفاذ الأمر و النّهي، و بجواز التوقيع، و بما يوجب الخاتم من الطاعة و يلزم من الحجّة؟!.
و لو استوت الأمور بطل التمييز، و إذا لم تكن كلفة لم تكن مثوبة، و لو كان ذلك لبطلت ثمرة التوكّل على اللّه تعالى، و اليقين بأنّه الوزر و الحافظ، و الكالئ و الدافع، و أنّ الذي يحاسبك أجود الأجودين، و أرحم الراحمين، و أنه الذي يقبل اليسير و يهب الكثير، و لا يهلك عليه إلاّ هالك. و لو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير و الجاهل بعواقب الأمور، لبطل النّظر و ما يشحذ عليه [١] ، و ما يدعو إليه، و لتعطّلت الأرواح من معانيها، و العقول من ثمارها، و لعدمت الأشياء حظوظها و حقوقها.
فسبحان من جعل منافعها نعمة، و مضارّها ترجع إلى أعظم المنافع، و قسّمها بين ملذّ و مؤلم، و بين مؤنس و موحش، و بين صغير حقير و جليل كبير، و بين عدوّ يرصدك و بين عقيل يحرسك، و بين مسالم يمنعك، و بين معين يعضدك، و جعل في الجميع تمام المصلحة، و باجتماعها تتمّ النعمة، و في بطلان واحد منها بطلان الجميع، قياسا قائما و برهانا واضحا. فإنّ الجميع إنّما هو واحد ضمّ إلى واحد و واحد ضمّ إليهما، و لأن الكلّ أبعاض، و لأنّ كلّ جثّة فمن أجزاء، فإذا جوّزت رفع واحد و الآخر مثله في الوزن و له مثل علّته و حظّه و نصيبه، فقد جوّزت رفع الجميع؛ لأنّه ليس الأول بأحقّ من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأوّل، و الثاني كذلك و الثالث و الرابع، حتّى تأتي على الكلّ و تستفرغ الجميع. كذلك الأمور المضمّنة و الأسباب المقيّدة؛ أ لا ترى أنّ الجبل ليس بأدلّ على اللّه تعالى من الحصاة، و ليس الطاوس المستحسن بأدلّ على اللّه تعالى من الخنزير المستقبح. و النار و الثلج و إن اختلفا في جهة البرودة و السّخونة، فإنّهما لم يختلفا في جهة البرهان و الدّلالة.
و أظنّك ممّن يرى أنّ الطاوس أكرم على اللّه تعالى من الغراب، و أن التّدرج [٢]
[١] شحذته: سقته سوقا شديدا. اللسان: شحذ.
[٢] التدرج: طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يكون بأرض خراسان، حياة الحيوان ١/٢٣٠.