التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٣٥ - مقدمة في تقسيم العلم بوجه آخر
الاهتداء الى سبيل الحق مع ما جبل عليه أهل السلامة من الفطرة المعبر عنها في بعض كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) بالعقل المطبوع. و لا حاجة الى تكلفات المتكلفين و كلمات المتكلمين في إبداء الأدلة و اقامة الحجج و من ثم لم يأمر النبي (صلى اللّه عليه و آله) الذي كان اعقل العقلاء باتفاق العقلاء الا بالتمسك بالثقلين و أخبر في الروايات المستفيضة بين فرق الإسلام كلها ان المتمسك بهما لن يضل ابدا. على ان جميع ما حرره المتكلمون في ذا الباب فإنما أخذوا أصوله من كلام اللّٰه و كلام أهل البيت (عليهم السلام) خصوصا أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه) الذي هو آية اللّٰه الكبرى و في كلماته من العلوم الإلهية و المعارف الربانية ما تتقاصر دونه علوم الأولين و الآخرين و انما وقعوا فيما وقعوا في الزيارات التي اردفوها من تلقاء أنفسهم و المقتصر على لباب الحق في غنية عنها فالراشد البصير لا يكدر قلبه السليم على برين و لا يعدوا التشبث بأذيال الثقلين و يقتصر على محكمات الكتاب و السنة غير متصرف بعقله الجزئي في شيء منها لاعتصامها عن الهوى و المسترشد المستبصر إذا حفظ ترجمة العقائد التي لقنها في مبدإ نشوه فلا يزال ينكشف له معانيها و يتكامل بتكامل تمييزه حتى يبلغ حد الاعتقاد الا انه اعتقاد ضعيف يقبل الزوال بإلقاء نقيضه اليه فلا بد من تقويته و إثباته في نفسه حتى يترسخ به و لا يتزلزل لا بان يعلم صنعه الجدل و الكلام فان ما يفسده الجدل أكثر مما يصلحه و ما يشوشه أكثر مما يمهده كما تقدم و من المشاهدات ان عقائد العوام أرسى و أرسخ من عقائد المتكلمين بل بان يشغل بتلاوة القران و تفسيره و قراءة الحديث و معانيه و يشتغل بوظائف العبادات فلا يزال يقوى اعتقاده و يزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن و حججه و ما يرد عليه من شواهد الأحاديث و فوائدها و بما يسطع عليه من أنوار العبادات و ما يسري إليه من مشاهدة الصالحين و مجالستهم و رؤية سيماهم و سيرتهم و هيأتهم في الخضوع للّٰه و الاستكانة له و استماع مواعظهم اللينة و أمثالهم فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر و هذه الأسباب كالسقي و التربية له حتى ينمو ذلك البذر و يقوى و يرتفع شجره طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء و ليس تأييد الاعتقاد بالعمل بمقتضاه و صحبة الصالحين و إصغاء الوعظ اللين مما يختص به المسترشدون و يندب اليه المبتدؤن فقط بل انتفاع العلماء الكاملين بملازمة هذه الآداب عظيم كما يقضى به المشاهدة و كذا ترك مجادلة