التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٣٣ - مقدمة في تقسيم العلم بوجه آخر
فيشتغل أولا بحفظ كتاب اللّٰه و تجويده ليكون مفتاحا صالحا و معينا ناجحا و ليستنير القلب به و يستعد بسببه للاحاطة بباقي العلوم ثم بالعلوم العربية فإنها أول الات الفهم و أعظم أسباب العلم الشرعي لأن الكتاب و السنة عربيان فيتقن التصريف و النحو و اللغة و المعاني و البيان إتقانا جيدا بحيث إذا أعرضت عليه عبارة عربية غير موحشة قوى عليها و يكفيه في غريب اللغة أصل مركون اليه يراجعه عند الحاجة ثم بالمنطق و يحقق مقاصده فان له مدخلا عظيما في تقويم الفكر و إصلاح صور الأقيسة و لا يبالغ فيه مبالغته في العربية إذ المقصود يحصل بدونها ثم بالعقليات كالالهى و شيء من الطبيعي يتشحذ به ذهنه و يرسخ فيه ملكه الاستدلال و ينظر في أصول الفقه و دراية الحديث و الرجال و يتعرف الاصطلاحات الموضوعة بين أهلها ثم يشتغل بالحديث و التفسير و ليمعن النظر في كشف اغوار كلام اللّٰه فإنها لا تقف على حد و هو بحر عميق و لا يقنع بما ذكره المفسرون و ليكن كثير التفتيش عن الروايات المأثورة في تفسير الظهور و البطون فان فيها من علوم الأسرار شيئا كثيرا و ليتقن من فقه الأحكام الشرعية طرفا صالحا و يطلع على أقوال الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) و مواقع الخلاف و الإجماع و لا يكتف في ذلك بالمتون الوجيزة فان الشروح و الكتب الاستدلالية أكثر فائدة و اوفى بالمقصود و إذا اشتغل بفن فلا ينتقل عنه حتى تيقن فيه كتابا أو أكثر ان أمكن و ليحذر التنقل من كتاب الى كتاب و من فن الى آخر من غير موجب فان ذلك علامة العجز و عدم الفلاح و ليأخذ من كل فن حظه و يصرف تمام قوته في العلوم الدينية الأخروية مما يوجب كمال النفس و تزكيتها بالأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة و مرجعه إلى معرفة الكتاب و السنة و مكارم الأخلاق و ما ناسب ذلك و المذاكرة مع أقرانه من الطلبة الصالحين فإنها نعم المعين على الحفظ و رسوخ العلم في الذهن و انتعاش النفس و توسع القلب و في الحديث النبوي (الكافي) ان اللّٰه عز و جل يقول تذاكر العلم بين عبادي مما تحيي عليه القلوب الميتة إذا هم فيه انتهوا إلى أمري. و فيه (الكافي) تذاكروا و تلاقوا و تحدثوا فان الحديث جلاء للقلوب ان القلوب لترين كما يرين السيف جلاؤه الحديث. و عن ابى جعفر (الكافي) (عليه السلام) رحم اللّٰه عبدا أحيا العلم قيل و ما إحياؤه قال ان يذاكر به أهل الدين و أهل الورع. و عنه (الكافي) (عليه السلام) تذاكر العلم دراسة و الدراسة صلاة حسنه. و قد يتراءى كون المناظرة من جملة أنواع المذاكرة بل أقوى أنواعها لما تلزمه غالبا من استحضار الذهن و تذكر الأدلة و تنقيحها