التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢٢٠ - باب تطهير السر عما سوى اللّٰه
راجع الى الثاني فإن الإحسان على هذا الوجه من أقوى أنواع الكمال المحبوب الا ان المصنف تبع بعض السلف في افراده بالذكر و ربما تتركب الأسباب فتقوى المحبة جدا مثل من له ولد عالم صالح جميل محسن اليه و الى الناس و أقوى ما يمكن ان يفرض من صور التركيب ما يصدق في حقه تعالى و من ثمة اصطلحوا على تسمية حبه سبحانه عشقا و ذلك لان المفيض لأصل الوجود و لجميع كمالاته و لا كمال حقيقيا الا له تعالى و لا إحسان إلا منه و ان كان الخلق وسائط مسخرين في إيصال بعضه تسخير القلم في يد الكاتب و من وقع له الملك بإنعام يستوفيه فلا يليق ان يحب القلم و يشكره و يعده المنعم المحسن فان المنعم المحسن هو الملك و انما هذا القلم آلة من آلات الكتابة لا مدخل له في الانعام و ان حسن حبه من حيث انه قلم للملك و منسوب اليه و لقد أحسن القائل (١)
بر در شاهم گدايى نكتۀ در كار كرد * * * بر سر هر خوان كه بنشستم خدا رزاق بود
و ربما تنفرد فتتفاضل مراتب المحبة المسببة عنها و الأعلى في هذا المقام المحمود ان يحب اللّه لذاته فإنها الخالصة الباقية و هو من المواهب الإلهية لا مطمع فيها بالتعمل الا ان التوغل في العلم و التفكر يرشحان القلب لان تفاض عليه هذه الموهبة من المبدأ الفياض إذ لا بخل فيه و انما يتوقف الفيض على استعداد المفاض عليه ثم ان يحبه للكمال ثم الإحسان اليه و هذا الترتيب مرعى في سائر المحبات ايضا و انما كانت المحبة الاحسانيه ادنى لما فيها من شوب حظ النفس و كونها عرضة للزوال بانقطاع سببها الذي يوشك ان ينقطع و اما الكمالية فإنما تشاركها في الأخير خاصة فإن الصالح قد ينقلب فاسقا و العادل ظالما دون الأول فمن ثم كانت أعلى منها و العلو المطلق لما خلص عن النقصين جميعا و آثارها المحمودة كثيرة و المذكور منها خمسة مترتبة ترتبها في التعشقات الصورية و هي الشوق و الانس و الانبساط و القرب و الاتصال و ربما يستنكر
(١) و ذلك لان جلوس الفقير على مائدة الملك لا يكاد يتحقق الا مسبوقا بوجود الفقير و وجود الملك و وجود الأطعمة الموضوعة على المائدة بجميع ما يتوقف عليه من الآلات و الأدوات و المدبرات العلوية و السفلية و النفوس العمالة و سائر الأسباب الغير المحصورة و القدرة على تحصيل الأطعمة و تسخير نفسه لتحصيلها و بذلها للفقير و وجود الات ذلك و الات التناول في الفقير و رفع الموانع في جميع ذلك و كل هذه من فعل اللّه سبحانه لا مدخل لغيره فيها بوجه من الوجوه كما هو ظاهر