التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢١٨ - باب تطهير السر عما سوى اللّٰه
بأحواله أعظم موقعا من المعرفة بأحوال الوزير و إذ ليس في الوجود أشرف من اللّٰه تعالى لا جرم كان الاطلاع على اسرار الربوبية هو أعلى أنواع المعارف و ألذها و أطيبها حتى ان للعارفين في معرفتهم به عز و جل لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لأبوا ان يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير و هذه اللذة العظيمة الحاصلة بالعلم انما هي بالحقيقة بسبب استيلاء العالم على المعلوم و إحاطته بانكشاف صورته لديه و حضورها عنده كما سبق فكلما كان العلم أقوى و اثبت و انكشاف صورة المعلوم في ذهن العالم أتم و أرسخ كان الالتذاذ أعظم و انبساط النفس أكثر و من ثمة كان العلم الحاصل من الرؤية ألذ من العلم الحاصل من غيرها لازدياد الكشف فيها بسبب حضور نفس المعلوم عند الحس و صورته عند الذهن فاللذة الزائدة انما هي باعتبار هذا الانكشاف الزائد و من تصور معشوقه في خياله فإنه يلتذ بتصوره لا محالة لكن لا نسبة لهذه اللذة الى اللذة الحاصلة من مشاهدته راى العين و حيث انها أقوى طرق الانكشاف ربما يعبر عن مطلق الانكشاف التام بأي طريق حصل بالرؤية و النظر كما في قوله سبحانه إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ. و ما ورد من بعض الطرق ان رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) راى ربه ليلة المعراج. و نحو ذلك لتطابق العقل و النقل على امتناع الرؤية الحسية في حقه تعالى لاشتراطها بالوضع و الجهة و كثافة المرئي و غير ذلك فالمراد بها أينما أطلقت في كلمات من يعتنى بتصحيح كلامهم غاية الانكشاف التام الذي لا يمكن ما فوقه مجازا مقبولا لوجود العلاقة البينة ان ثبت كون اللفظ حقيقة في خصوص البصرية و الا فمن استعمال المشترك في معناه الأخر حقيقة اعتمادا على وضوح القرينة و هي اشتراط الحسية بما يمتنع في حقه سبحانه و أحسن ما ينكشف به هذا المطلب ما سبقت روايته عن (الكافي) أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله لم أعبد ربا لم أره لا تدركه العيون بمشاهدة العيان و لكن تدركه القلوب بحقائق الايمان حيث اثبت (عليه السلام) الرؤية أولا ثم استدرك ذلك بصرفها من العينية لأنها المتبادر إلى القلبية و سبب المحبة أحد أمور ثلثه الأول ذات المحبوب بنفسه لا لحظ ينال المحب منه وراء ذاته بل يكون ذاته عين حظه مثل محبة كل أحد لوجوده و بقائه و عافيته و نحو ذلك فان هذه أمور محبوبة لذواتها لا لغرض آخر و يرجع إليها محبة مثل الزوجة و الولد و الخادم و المنزل و غير ذلك من توابع الوجود المقصود بها حظوظ النفس فإنها كلها محبوبة بتبع