التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٨٠ - باب الرجاء و الخوف
المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا و لا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف و يرجو. و الرجاء مما لا بد منه لكل مكلف فهو الذي يبعث النفس على نوافل الطاعة و ربما يبعثها على الفرائض أيضا و يهون عليها احتمال المشقة فيها احتمال التاجر مشاق السفر رجاء للربح و ضده القنوط و هو ضلال منهي عنه قال اللّٰه تعالى في قصة ضيف إبراهيم لٰا تَوْجَلْ إِنّٰا نُبَشِّرُكَ بِغُلٰامٍ عَلِيمٍ قٰالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قٰالُوا بَشَّرْنٰاكَ بِالْحَقِّ فَلٰا تَكُنْ مِنَ الْقٰانِطِينَ قٰالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضّٰالُّونَ و قال عز و جل يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لٰا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. و اليأس و هو ضده فيما تقدم كفر قال اللّٰه تعالى في قصة يعقوب يٰا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ و هما في اللغة بمعنى واحد الا ان المصنف اقتفى ألفاظ الآيات و قال في الحاشية قد تكرر ذكر القنوط و الياس في اخبار مجتمعين مشعرا بتعددهما و لعل الياس انما يكون في الأمور الدنيوية و القنوط في الأمور الأخروية كما يستفاد من موارد الآيات الثلاث أو يخص أحدهما بالثواب و الآخر بترك العقاب انتهى و فيه ان كون التبشير بالولد من الأمور الأخروية غير ظاهر بل الظاهر انه نظير آية اليأس و الفرق الثاني غير واضح ايضا و الظاهر الترادف و اجتماعهما في بعض الاخبار مثل رواية الأعمش المتقدمة في الكبائر ليس بظاهر في الاشعار بالتعدد بل يحتمل الاشعار بالتغليظ كما لا يخفى و الطريق اليه لمن غلب عليه الياس فترك العبادة أو الخوف فاسرف فيها حتى أضر بنفسه و بأهله ذكر سوابق فضله تعالى على عباده من دون استحقاق و لا سؤال و لا شفيع إذ مهد لهم مهاد الوجود و غذاهم بالكرم و الجود و أعد لهم كل ما يحتاجون اليه من الأعضاء و الآلات و ما لا يحتاجون اليه بل يحصل به مزيد زينة و جمال كاستقواس الحاجبين و حمرة الشفتين و بلقة العينين و غير ذلك مما كان لا ينثلم بفقده غرض مقصود فالعنايه الإلهية إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق فكيف يرضى بسياقتهم الى الهلاك المؤبد و ذكر ما وعد من جزيل ثوابه و سابغ غفرانه من دون استحقاق و التأمل في ما أنعم في الدنيا بما يمد في الدارين من دون سؤال فإذا كانت هذه مواهبه في الدنيا فالغالب ان أمر الآخرة كذلك أيضا لأن مدبرهما واحد و لن تجد لسنة اللّٰه تبديلا و لن تجد لسنة اللّٰه تحويلا و تتبع ما ورد في سعة الرحمة و سبقها الغضب و انها لتفيض يوم القيمة حتى ان إبليس ليرجو ان تشمله و في النهي عن القنوط مثل قوله تعالى