التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٨٢ - باب الرجاء و الخوف
بتوقيع يحتمل ان يكون فيه خر الرقبة و يحتمل ان يكون فيه ولاية العهد مثلا و لم يصل التوقيع إليهما إلا أنهما يعلمان ان الملك وقع فيهما ما شاء فيتعلق قلب أحدهما بحاله وصول التوقيع إليهما و ظهور ما فيه من خير أو شر و تعلق قلب الآخر بحالة توقيع الملك و كيفيته و انه إذ ذاك ما الذي خطر له من رحمة أو غضب و هذا التفات الى السبب فهو أعلى من الالتفات الى الفرع أو غوائل المعاصي في الدنيا من غير التفات إلى السابقة و لا الخاتمة و هذا أغلب مخاوف الخائفين و هو على وجوه كثيره مثل خوف الموت قبل التوبة عنها أو استيلاء العادة في ارتكابها فيتعسر عليه ترك الشهوات المألوفة أو انه يشعر من نفسه الذمائم فيخاف اطلاع اللّه على سريرته أو خوف البطر بكثرة نعم اللّٰه عليه أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة و الخيانة و الغش و إضمار السوء و نحو ذلك ثم خوفه اما ان يكون من السؤال في القبر أو يوم الحساب فيهاب موقفه و يستحي من كشف الستر أو الصراط وحدته و صعوبة العبور عليه أو العذاب بالنار و أغلالها و أهوالها أو فوت الجنة و نعيمها و سلسالها أو نقصان الدرجات و الحجاب عن اللّٰه أو نحوها فهذه مجامع المخاوف و تختلف أحوال الخائفين فيها اختلافا فاحشا و ربما تتركب مثنى و ثلاث فصاعدا و يؤثر الخوف مطلقا في البدن بالهزالة في الجسم و الصفرة في البشرة و الضعف في القوى و الرقة في القلب و من علامتها سرعة البكاء إذا وعظ أو تلي عليه إنذار من الكتاب المجيد و إذا كمل جدار بما يؤدى الى الجنون لاختلال حجب الدماغ الحاملة للقوى العاقلة و قد يؤدى الى الموت لانقطاع نياط القلب كما اتفق لهمام الذي حدثه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ما اقترح عليه و هو شهادة فورد من خاف فمات من خوفه فهو شهيد. لكن الفضل الأتم لمن عاش و جاهد فان كل ما يراد لأمر فالمحمود منه ما يفضى الى المراد و فائدة الخوف الحذر و الورع و التقوى و المجاهدة و سائر الأسباب المقربة الى اللّٰه و كل ذلك يستدعي الحياة و سلامة العقل و له بإزاء كل مجاهدة مع النفس أجر الشهادة و من ثمة ورد ان أفضل السعادات طول العمر في طاعة اللّٰه. و من غلب عليه خوف اللّٰه غلب خوفه على كل شيء و في الحديث النبوي من خاف اللّٰه خافه كل شيء و عن أبي (الكافي) عبد اللّٰه (عليه السلام) من خاف اللّٰه أخاف اللّٰه منه كل شيء و من لم يخف اللّٰه أخافه اللّٰه من كل شيء. و هو مما لا بد منه ايضا فهو الذي يزجر النفس عن المعصية فعلا و تركا و هو مما ينفى العجب عن الطاعة فإن الخائف غير مستعظم نفسه و خصالها و ضده