التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٦٢ - باب الزهد
انهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهواتها كقوله تعالى حكاية عن سليمان إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ. و القنطار قيل المال الكثير و في الحديث انه ملاء مسك ثور ذهبا. و المقنطرة مأخوذة منه للتأكيد كقولهم الف مؤلف و المسومة المعلمة بالغرة و التحجيل أو المرعية و الأنعام الإبل و البقر و الغنم و الحرث الزرع و النبات قيل و انما لم تذكر الدور و القصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب و المعدودات أنواع الشهوة و قد أجملها اللّٰه تحت الجنس معبرا عنه بالهوى في قوله عز و جل وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ.
و الشغل بها على وجهين أحدهما و هو الأصل حب حظوظها باطنا و يندرج فيه جميع الصفات القلبية المتعلقة بالدنيا كالكبر و الحقد و الحسد و الرئاء و السمعة و سوء الظن و الحرص و غيرها و هي الدنيا الباطنة و منه ينشأ الوجه الآخر و هو الحركة إلى تحصيلها ظاهرا بأنواع الحيل و العلاجات المرتبطة بعضها ببعض الصارفة لذويها عن اللّٰه المستغرقة لجميع أوقاتهم و حواسهم حتى نسوا ما ذكروا به و كان عاقبة أمرهم خسرا و مشاغل الدنيا متواصلة متلازمة يجر قليلها الى الكثير و صغيرها الى الكبير و لا ينبئك مثل خبير و علاج حبها نوعان من العلم أحدهما معرفة الرب و حكمته في خلق الأمتعة المذكورة و معرفة النفس و الحكمة في ركوز حبها في الجملة في جبلتها فإنها إنما خلقت ليتمتع بها السالك في وجهته الى اللّٰه الذي هو غاية مقاصد السائرين كما قال عز و جل وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهىٰ. و أَلٰا إِلَى اللّٰهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ. فهي أشبه شيء بعلف الدابة في طريق الحج فان البدن الذي هو مركب النفس لا يقوم الا بمطعم و ملبس فلا بد منهما بقدر الحاجة و الاشتغال بالزيادة نظير توقف الحاج في منازل الطريق لجمع أنواع الحشيش و ادخارها و تحصيل الماء البارد للناقة و الجلال الملونة و اشتغاله بذلك حتى يفوت الوقت و القافلة و هو غافل عن الحج و عن مرور القافلة و بقائه في البادية وحيدا فريسته للسباع هو و ناقته و الحاج البصير لا يهمه من أمر الناقة إلا القدر الذي تقوى به على المشي فيتعهدها و قلبه إلى الكعبة و الحجاج و الآخر معرفة شرف الآخرة ليرغب إليها و خساسة الدنيا ليرغب عنها فان التاجر ما لم يعلم ان المرغوب اليه خير له من المرغوب عنه لم تسمح نفسه بالمعاملة و لم يفارق حب المرغوب عنه قلبه و يكمل ذلك بمعرفة المنافاة بينهما و انهما كالمشرق و المغرب كلما تقاربت من أحدهما تباعدت من الآخر أو كالضرتين كلما أرضيت إحديهما أغضبت الأخرى فإذا انتقشت هذه المعارف في القلب غرف عن حب الدنيا