التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٦٣ - باب الزهد
و بردت رغبته فيها دفتر شوقه إليها فتركها و الزهد الحقيقي كما عرفت هو غروف القلب المستلزم للترك المذكور و بسبب هذه الملازمة ربما يتجوز بإطلاق اسم الزهد على الترك سواء كان بسبب غروف القلب أو غيره و يقسم على وجوه متعددة بحسب اعتباره في نفسه و في علته و هو المزهود منه و في محله و هو المزهود فيه و في عارضة و هو ما يوصف به من الأحكام الشرعية و له بحسب كل منها درجات مترتبة يتدرج من أوائلها الى ثوانيها في السلوك و ادنى درجات الزهد باعتبار نفسه ان يترك الدنيا و قلبه متعلق بها فيتكلف و يجاهد فيه لميل النفس الى الدنيا و هو تزهد و مبدأ للزهد في حق من يصل اليه و المتزهد على خطر إذ ربما تغلبه نفسه و تجذبه شهوته فيعود الى الدنيا و الاستراحة بها في قليل أو كثير ثم ان يتنفر القلب عنها فلا يحتاج إلى مجاهدة فهو زهد من ملكات النفس المطمئنة الا انه لا يخلو عن شوب تشويش بسبب التنفر و ربما يرى زهده و يلتفت اليه كما يرى البائع مبيعه و ان كان لا يشق عليه البيع إذا سلف ما يسوى قليلا بثمن رابح لكن يحتاج الى انتظار الموعد فيكاد ان يظن بنفسه انه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم منه و هذا ايضا نقصان ثم عدم الميل و التنفر جميعا لتسوية الوجود و العدم عنده فهو استغناء كما سبق و قد تقدمت الإشارة إلى انه من مواضع الغرور و ربما يظنه الواجد بنفسه لسكونها بما ظفرت به من المقصود فليجربها و يعرف بتسوية سرقه ماله و مال غيره في عدم الاعتداد فان صح فهو أكثر اطمينانا و اثبت قلبا من الزاهد ثم عدم اعتباره بزهده إذ لا يرى انه ترك شيئا لأنه عرف ان الدنيا لا شيى فيكون كمن ترك خنفساءة و أخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة و لا نفسه تاركا شيئا الدنيا بالإضافة إلى الآخرة أخس من خنفساءة الى جوهرة و من منعه عن الدخول الى الملك كلب على بابه فالقى اليه قطعة عظم شغله بها و دخل فتناول من الموائد المبذولة و تمتع بما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و قال الكرامة و القرب من الملك افترى انه يرى لنفسه يدا عند الملك بما ألقاه إلى كلبه من العظمة فالشيطان كلب على باب اللّٰه و الدنيا كقطعة العظم فمن يتركها لينال ما ينال بتركها كيف يلتفت إليها و يعتد بها بل نسبة الدنيا الى الآخرة أقل من نسبه العظمة الى موائد الملك و كرامته نسبه المتناهي الى غير المتناهي و هذا هو الكمال في الزهد بحسب درجاته في نفسه و لكل منها عرض عريض و اما درجاته باعتبار مأمنه فأدناها أن يترك الدنيا من خوف النار و سائر عذاب الآخرة و هذا زهد