التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٣٤ - باب حب الخمولة
يوسف (عليه السلام) لما تعرف الى الملك اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. و ليس في الآية لفظة رب كما يوجد في النسخ فان لم يكن سهوا فدعاء بما فيه من الإشارة إلى استدعاء نبي اللّٰه أو بكتمان ما فيه من المساوي كالذي يستر عيوبه عن الناس من غير ان يتحمل إليهم بالتورع فإنه ليس فيه تلبيس و قد ورد الأمر بإخفاء العيوب و النهى عن التهتك كما مرت الإشارة اليه و سواء كان على وفق حاله بحسب شرفه و مروته أم لا فان ذلك كله داخل في المباح الا قدرا يعين على الطاعة أو ضرورات المعيشة مع الخلق كاستمالة قلب خادم يتعهد الخدمة فيتفرغ للتوجه إلى العبادة و المطالعة أو رفيق يعاون على بعض الخيرات التي لا يتخرج هو وحده عليها أو سلطان يدفع عنه الشر و يتقوى به على الخير ف ان حب هذا القدر من الجاه متجاوز عن مرتبة الإباحة مستحب أو واجب بحسب قلة الاحتياج و كثرته و قوة النفس و ضعفها و فيه آفات دينية و دنيوية كالنفاق ففي الحديث النبوي حب الجاه و المال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. و اضطراب القلب لشغله برعاية القلوب لئلا تنفر عنه مع تخالف ميولها بحيث تتعذر مراضاتها جميعا و كثرة تقلبها و من ثم سمى القلب قلبا و عدم ثباتها على حال واحدة حتى قيل ان المراد لأمر المبتني على قلوب الناس أشبه شيء بما يبنى على أمواج البحر فالمشفق من تغير منزلته في القلوب قد أوقع نفسه في شغل شاغل لتثبيت جاهه و حفظه و دفع كيد الحساد و منع أذى الأعداء لانه محسود مقصود بالإيذاء من أكفائه و غيرهم و كل ذلك اشتغال عن اللّٰه و غموم عاجلة منغصة للذته في الدنيا قبل الآخرة و سببه هو سبب حب المال و هو أحد أمرين جلي و خفي اما الأول فهو طول الأمل و خوف الآفة فإن الإنسان و ان كان مكتفيا في الحال الا انه يخطر بباله ان المال الذي فيه كفائته ربما يتلف بنوائب الزمن في المدد المتطاولة التي يقدر لنفسه الحياة فيها فيحتاج الى غيره فإذا خطر له هذا الخاطر هاج الخوف من قلبه و لا يدفع هذا الخوف الا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفرغ اليه ان أصابت هذا المال جائحة فهو ابدا لتقديره طول الحياة و هجوم الحاجات و تطرق الآفات إلى الأموال في وجل و لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال حتى لو ملك واديين من ذهب لأحب ان يكون معهما ثالث كما في الحديث و في آخر منهومان لا يشبعان منهوم بالعلم و منهوم بالمال و هذه العلة بعينها مطردة في حب الجاه و قيام المنزلة في قلوب الأباعد عن وطنه و بلده فإنه لا يخلق عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن