حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٨٨ - الفصل الثّاني فى الجواب عن الشّبه المذكورة
ذلك و يستحيل أن لا يفعل علّة العالم العالم البتّة لأنّه لا يكون علّة له فبقى أن يفعله [١٦٤] بعد أن لم يكن فعله ثمّ لا يفعله فإذا لم يمكن فعل العالم إلّا على هذا الوجه وجب القول به سواء كان تغيّرا أو لم يكن و هذا النّوع من التغيّر لم يستحل على الصّانع تعالى بل يكون لازما إذا كان صانعا.
و امّا قولهم: «ان وجود العالم إذا كان عنه و معلولا له و وجود المعلول يحتاج إلى وجود العلّة دائما فيكون وجوده عنها دائما فيكون هذا فعلا للعالم دائما» فتبيّن فساده فيما بعد.
و امّا قولهم: «صدور الحادث عن القديم محال».
فالجواب عنه أنّه ليس بمحال، بل المحال صدور القديم عنه لما بيّنا و ذلك هو المرجّح لوجوده حادثا و لا يجب من ذلك تجدّد إرادة لانّه تعالى أراد ايجاده على الوجه الممكن و هو أن يكون حادثا بإرادة قديمة لانّه مريد فى الأزل ما يريده على وفق علمه به فيريد ما يعلمه مقدورا عليه، و وجود العالم قديما غير مقدور عليه فلم يكن مريدا له فى الأزل. و إنّما أراد فى الأزل إيجاده حادثا مرتب الحوادث شيئا بعد شيء و شيئا مع شيء فأوجده على وفق ما أراد فى الأزل فلم يكن إلى القول بحدوث إرادة فى ذاته أو لا فى ذاته حاجة و سقطت الأسئلة الواردة على حدوث الإرادة.
فإن قيل: القادر إذا أراد فعل شيء مقدور عليه [١٦٥] و لم يكن له مانع من ذلك الفعل و لم يكن محتاجا فيه إلى شيء من خارج وجب ان يصدر ذلك الفعل، فالبارى تعالى إذا كان قادرا فى الأزل على خلق العالم و مريدا لخلقه فاتّصلت إرادته القديمة لإيجاد العالم بقدرته القديمة على ايجاده وجب وجوده قديما.
قلنا: إذا كان وجود العالم فى الأزل محالا لم يكن له قدرة على ايجاد العالم فى الأزل، فلا يصحّ أن يقال: «اتّصلت إرادته إيجاد العالم فى الأزل بقدرته على إيجاده» بل يصحّ أن يقال: «أراد الصّانع فى الأزل ايجاد العالم و هو قادر على ذلك دائما بقدرة قديمة فحين وجد كان موجودا بالإرادة القديمة و القدرة القديمة و لم يكن حاجة فى ايجاده حادثا إلى إرادة حادثة، كما إذا أردنا فى الحال أن نفعل شيئا فى وقت مستقبل معيّن و بقيت إرادتنا مستمرّة من غير تردّد فيها و غفلة عنها ففعلنا ذلك الفعل فى الوقت المعيّن له كنّا قد فعلناه بالإرادة