حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٩٠ - الفصل الثّاني فى الجواب عن الشّبه المذكورة
لا يتخصّص أحد المتماثلات بذاته لأن يوجد علّته. فنسبة كلّ المتماثلات إلى ذات البارى تعالى و إرادته و علمه و قدرته و غيرها من الصّفات متساوية» لكن الإرادة صفة خاصيّتها تمييز المتماثلات من بعض، و الفلاسفة و إن قالوا بصدور العالم عن علّة من غير قصد منها إلى [١٦٨] إصداره فلا بدّ لهم أن يقولوا بمميّز أى شيء كان لأنّ أحد المتماثلات لا يتعيّن بذاته لصدوره عن علّة مع أنّ نسبة ذلك الواحد إلى ذات العلّة كنسبة غيره إليها.
و اعترض ابو البركات على هذا بأنّ الإرادة تميّز الشّيء عن مثله فى العقل و التّصور أم فى الوجود و الأعيان، أمّا فى العقل فلا يميّز شيء عن مثله إلّا بفصل، و أمّا فى الوجود فما لم يحصل التميّز قبله لا يحصل الوجود على وفقه فإنّ المقدار يتصوّر فى ذهن موجده قبل إيجاده ثمّ يوجد فى الخارج كما هو موجود فى الذّهن و كذلك الجهة و غيرها، فهاهنا يجب أن يتميّز المراد فى علم اللّه تعالى بفصل حتّى يريده ثمّ يوجده، و إذ لا فصل بين الأوقات من مدّة العدم لم يمكن تمييز بعض الأوقات بخلق العالم فيه.
و الجواب عنه أنّ الإرادة تميّز أحد المتماثلات من غير فصل فيه مطلقا إذ لو كان لأحدهما فصل لم تكن متماثلة على الإطلاق، و لو كان التّمييز يكون بفصل عند العقل لكان العلم كافيا فى التّمييز و لم يكن إلى الإرادة حاجة فى الإيجاد. و لما لم يتعذّر التّمييز بين المتماثلين من غير فصل بينهما البتّة على إرادتنا النّاقصة وجب أن لا يتقدّر على إرادة اللّه تعالى الكاملة، و ذلك كما إذا كان بين يدى إنسان مثلا تمرتان متماثلتان فى [١٦٩] النّوع و اللّون و الطعم و الشّكل و المقدار و القرب منه و البعد حتّى لا يكون فى أحدهما فصل يرجّح رفعه على رفع الآخر. و لا يمكن إنكار أنّ ذلك ممكن الوجود و مع ذلك لا يشكّ أحد فى أنّ ذلك الإنسان يختار رفع أحدهما قبل الآخر و لا يبقى متردّدا فيما بينهما عاجزا عن ترجيح أحدهما فيكون إذن قد ميّزت إرادته رفع أحدهما حتى رفعه أوّلا. و يدلّ على انّه لا فصل و لا مميّز إلّا انّه لو قيل له لم رفعت ذلك أولا؟ لقال لا أدرى لكنّى اخترته اتّفاقا.
و مما جرّب مرارا أنّه قد يتشعّب الطّريق المسلوك شعبتين يؤدّيان إلى موضع واحد يقصده السّالك فإنّه يسلك إحداهما و إن لم يعرف بينهما تفاوتا ما بدليل أنّه يسلك إحداهما مرّة و الاخرى اخرى، و لو كان فى إحداهما مميّز لسلكها دائما. فإذا جاز ذلك فى إرادتها