حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٨٩ - الفصل الثّاني فى الجواب عن الشّبه المذكورة
الماضية لا بإرادة حادثة، فإذا كان هذا هكذا فى الشّاهد مع البعد المفرط فيما بين صفاتنا الحادثة النّاقصة و بين الصّفات القديمة الكاملة غاية الكمال كان أولى [١٦٦] أن يكون كذلك فى أفعال البارى تعالى.
فإن قيل: إرادة فعل فى المستقبل تكون عزما و مع ذلك العزم لا بدّ من أن ينبعث فى ذلك الوقت قصد إلى ذلك الفعل حتّى يحصل الفعل و ذلك فى حقّ البارى تعالى محال.
قلنا: تسمية إرادة الفعل فى زمان مستقبل «عزما» لا يخرجها من أن تكون إرادة حقيقة و مع ذلك العزم انّما يحتاج إلى إرادة جديدة وقت الفعل إذا كانت قد طرأت غفلة عن الإرادة الاولى، امّا إذا لم تطرأ الغفلة و كان المريد من أوّل وقت الإرادة إلى وقت الفعل مريدا للفعل لم يكن للفعل فى الوقت المعيّن له حاجة إلى انبعاث إرادة جديدة و طروّ الغفلة على اللّه تعالى محال فكان وجود العالم حادثا بإرادة اللّه تعالى لإيجاده فى الزّمان.
فإن قيل: التّكوين صفة للبارى تعالى عند أهل السّنّة و الجماعة و انّما يكون الفعل تكوينا حقيقة إذا حصل به المكوّن كما انّه انّما يكون كسرا حقيقة إذا حصل به الانكسار، و لا يجوز أن يوصف البارى تعالى بانّه مكوّن مجازا، فإذا وصف بانه مكوّن فى الأزل حقيقة وجب أن يكون المكوّن موجودا فى الأزل.
قلنا: وجود المكوّن قديما محال فالتّكوين بمعنى إيجاد المكوّن [١٦٧] حقيقة فى الأزل يكون محالا، و لا يجوز وصف اللّه تعالى بالمحال لكن لمّا كان المكوّن يوجد محدثا بتعلّق إرادته القديمة بقدرته الّذي هو تكوين و إيجاد بالحقيقة لأنّ التّكوين بالحقيقة هو تعلّق الإرادة بالقدرة كان البارى تعالى موصوفا بالتّكوين القديم.
فإن قيل: العالم إذا كان حادثا كان وجوده متأخّرا عن الأزل بمدة غير متناهية، كيف كانت و لا يتميّز فيها وقت عن وقت لأنّه لا موجود فيها فيتميّز، فبم يتعيّن وقت من أوقاتها الإيجاد العالم فيه و لم لا يكون الإيجاد قبله و بعده.
قلنا: إرادة اللّه تعالى فى الأزل ميّزت وقتا من أوقات مدّة العدم لخلق العالم فيه كما ميّزت أحد المقادير و الإشكال لكلّ جسم و احدى الجهات لحركة كلّ فلك إلى غير ذلك من غير مميّز له فى ذاته أو خارجا عنه سوى الإرادة. فلولا الإرادة لم يمكن خلق العالم إذ