حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٦٤ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
الأين و المتى و الوضع و الجدة الحقيقيّة فإنّ كلّ واحد منها إضافة لشيء إلى شيء و الإضافة للشّيء إلى الشّيء هو استناده و إمالته إليه، و لا شك فى انّها لا تكون حسّية بل [١١٩] معقولة ذهنيّة فلو لم يضف الذّهن زيدا إلى عمرو بانّه ابوه لم يكن فى الوجود لا ابوّة و لا زيد أبا، و كذلك البنوّة و الابن فلا يكون الأبوّة و البنوّة موجودتين إلّا فى الأذهان يدلّ عليه انّه لو لم يكن لزيد ولد فلم يكن أبا ثمّ ولد له ولد و لم يزد فى ذاته شيء و إذا مات ولده لم ينقص منه شيء فلم تكن الأبوّة إلّا حكم الذّهن باضافته إلى حيوان من نوعه من حيث انّه تولد من نطفته فلا تكون موجودة إلّا فيه، و كذلك حكم الأخوّة و ساير الأمور الإضافيّة يؤكّد ذلك انّه إذا كانت عدّة اخوة و اخوتهم لو كانت موجودة فى الأعيان لكانت قائمة إمّا بكلّهم على الاشتراك أو بكلّ واحد على الانفراد أو بواحد فقط. لا وجه إلى أن تقوم بكلّهم و إلّا بطلت الاخوّة بين الباقين بموت واحد منهم كما لو ارتفع واحد من العشرة بطلت العشريّة لقيام العشريّة بجميع آحاد العشرة و لو قامت بواحد واحد منهم لكان كلّ واحد منهم أخا من دون إضافة إلى غيره كما إذا قام بياض بجسم كان أبيض من دون إضافة له إلى جسم آخر و لو قامت بواحد كان هو وحده أخا و إذا مات بطلت الاخوّة بين الباقين [١٢٠] و ليس كذلك. فإذا بطل أن يكون للاخوّة محلّ علم أنّها غير موجودة فى نفس الأمر لكن الذّهن إذا أضاف أحدهم إلى آخر بأنّه أخوه قام بالأخ الموجود فى الذّهن المضاف إليه.
و يؤكّد هذا المعنى انّه يقال آدم ابو البشر فلو كانت الابوّة أمرا موجودا فى الأعيان لكان قام بآدم الميّت- صلوات اللّه- عليه أمور موجودة أكثر من أن تحصى و استحالة ذلك ظاهرة.
و أيضا يمكن أن يفرض فى جسم أو أجسام فقط أكثر من أن يحصى و يكون بين واحدة منها و بين كلّ واحدة غيرها محاذاة إذا قيست إليها فلو كانت المحاذاة أمرا وجوديّا لكان قد قام بنقطة واحدة متوهّمة أمور موجودة أكثر من أن تحصى و هو محال.
و يمكن ان يفرض من أمثال ما ذكرنا فى الأمور المضافة الأخرى لكن هذا القدر هاهنا كاف. فثبت انّه لا يدلّ صدق القول فى الوجود الذّهنى بانّه كذا على انّه فى نفس الأمر كذا، فلا يدلّ صدق القول بين طرفى المسافة إمكان كذا على أنّ ذلك الإمكان بين طرفى