حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٦٢ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
إلى أمور، و الزّمان و إن لم يكن فى نفسه مضافا فقد يلزمه الإضافة. و لما كانت المسافة و حدودها موجودة كان الأمر الّذي من شأنه أن يكون عليها و مطابقا لها أو مقدار قطع لها نحو من الوجود حتّى ان نفى ذلك كان كذبا البتّة فوجود الزّمان لا على هذا السّبيل بل على سبيل التّحصيل لا يكون إلّا فى النّفس. فقول القائل: «لا وجود للزّمان حاصلا فى آن» مسلّم لكن كلّ آنين فرضتهما يكون بينهما زمان و لا يكون فى آن.
أقول، قوله: «جميع ما فى هذه الحجّة مبنىّ على ان لا وجود للزّمان حاصلا فى آن» كذب، فانّ مبناها على ان الماضى و المستقبل لا يكونان موجودين فى الآن الّذي يفرضه مثبتوا الزّمان و هذا الآن لا يجوز ان يوجد و ليس الزّمان عبارة عن شيء سوى الماضى و الآن المستقبل فلا يكون للزّمان وجود البتّة فابن سينا اخذ يسلم بعض ما هو مبنى هذه الحجّة و لم يتعرّض لنافيه و اخذ يهرب من شقّ إلى شق، فقال تارة نحن نسلم ان الوجود المحصّل على هذا النّحو للزّمان لا يكون الا فى النّفس لكن يقول له وجود مطلقا و هذا فى الحقيقة تسليم لان لا وجود للزّمان فى نفس الأمر و إن كان فى الظاهر منعا له لأنّه إذا سلّم أن الماضى و المستقبل [١١٦] لا يكونان موجودين فى الآن و الآن لا يوجد كان قد سلّم أنّ الزّمان لا يوجد فى الأعيان و يكون له وجود فى الأذهان فيكون موجود مطلقا، لانّه إذا صحّ أن يقال أنّه موجود فى الأذهان صحّ أن يقال انّه موجود مطلقا.
قال: قولنا «بين طرفى المسافة إمكان لقطعها» صادق و الإثبات دليل الوجود مطلقا إن لم يكن دليلا على وجود محصّل فى آن و على جهة ما.
أقول: مسلّم أنّ هذا الإثبات صادق لكن لا يلزم منه وجود الزّمان فى الأعيان لما بيّنا أنّ هذا الإمكان موجود فى الأذهان، و لأنّ الموجود الذّهنى يصلح أن يحكم عليه بالوجود مطلقا كما انّ الأحكام الكلّيّة تكون موجودة فى الذّهن فقط فهى صادقة كما انّه يقال للبياض أنّه موجود و عرض و كيفيّة و لون و مرئىّ و محسوس و مفرّق للبصر و ضدّ للسّواد مع انّه فى نفسه معنى مفرد غير مركب من هذه المعانى، لكنّ الذّهن يحكم عليها بكل واحد منها باعتبار آخر و بالقياس إلى شيء آخر فحكم بانّه موجود باعتبار ما وجد بينه و بين المعدودات من المباينة و ما بينه و بين الموجودات الآخر من المشاركة، و حكم بكونه عرضا