حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٨ - الفصل الثالث فى ذكر ما اعترض به على المقدّمة الأولى
و منها تلك الأمور قد انتهت إلينا، و كلّ ما انتهى فقد تناهى، فتلك الأمور قد تناهت فلا يكون بلا نهاية.
و منها انّ تلك الأمور سلكت و كلّ ما قطع و سلك فقد تناهى.
و منها انّ كلّ واحد من الأمور الماضية يتوقّف وجوده على وجود ما لا نهاية له لو كانت بلا نهاية، و كلّ ما يتوقّف وجوده على وجود ما لا نهاية له لا يوجد، فيلزم أن لا يكون شيء من الأمور الماضية قد وجد لو كانت بلا نهاية. قال و أنا ظنّ ان جميع قياساتهم راجعة إلى شيء من هذه العبارات.
الفصل الثالث فى ذكر ما اعترض به على المقدّمة الأولى
و هى إن كان الماضى لا أوّل له فالأمور الماضية لا نهاية لها، قال: إنّ هذه مقدّمه مشهورة و ليست بضروريّة و لا صادقة و هى من المشهورات الّتي يقع التّصديق بها مطلقا لخفاء الشّرط المفصّل لحالها فيعرف حالها
فنقول: المحكوم عليه فى قولنا: «الأمور الماضية بغير نهاية» على لفظ الجمع و اذا كان المحكوم عليه فى القضيّة كذلك فهم منه معنيان: أحدهما ان كلّ [٣٤] واحد من تلك الأمور بغير نهاية، كما يفهم من قولنا: «الآحاد غير منقسمة» أنّ كلّ واحد منها غير منقسم. و الثّاني أنّ جملة تلك الأمور بحال الاجتماع لها عدد بغير نهاية كما يفهم من قولنا: «الآحاد كثيرة» أنّ جملتها بحال الاجتماع كثيرة. و معلوم أنّ الأوّل هاهنا باطل فيبقى المفهوم الثّاني هو أيضا يفهم على ثلاثة أوجه: اثنان منها بحسب اعتبار الوجود، و واحد بحسب اعتبار التوهّم، فأمّا بحسب اعتبار الوجود فانّه يفهم منه تارة انّ جمله تلك الأمور ليست شيئا له عدد متناه، و تارة أنّ جملتها شيء له عدد غير متناه. و امّا ما يفهم منه بحسب اعتبار التّوهّم أنّ المتوهّم من جملتها شيء أى واحد اخذت منه وجدت واحدا غيره قد حصل فى الوجود سوى ما اخذته و لا يقف عنه واحد لا يكون واحد غيره خارج عنه من غير أن يكون له عدد فى الوجود متناه أو غير متناه.
و الوجه الأوّل و هو انّ جملتها ليست شيئا له عدد موجود ذو نهاية حقّ لانه نقيض الباطل الّذي لا شكّ فى بطلانه و هو أنّها شيء له عدد موجود ذو نهاية، فإنّ المحكوم عليه فى هذه القضيّة شيء غير موجود بل ممتنع الوجود، و ذلك لانّ جملة امور كلّ واحد منها