حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٩ - الفصل الثالث فى ذكر ما اعترض به على المقدّمة الأولى
لا يثبت بل يعدم كما يوجد [٣٥] لا يكون بما هى جملة موجودة البتة سواء كانت الأجزاء الّتي تفرض لها بحيث إذا احضرت فى الوهم واحدا بعد واحد فثبت، او كانت بحيث لا نعنى انّ الأمور الماضية على التّوالى لو كان عددها عند الوهم عشرة أو خمسة لا يجوز أن يقال انّ جملتها موجودة أو عددها موجود، لأنّ كلّ ما يوضف بأنّه موجود إمّا أن يقال إنّه موجود فى كلّ زمان أو فى زمان ماض أو فى الحال أو فى زمان مستقبل. و لا يجوز أن يقال هذه العشرة أجزاؤها موجودة معا فى كلّ زمان و لا فى زمان ماض و لا فى الحال و لا فى المستقبل. فمحال أن يقال عن أمثال هذه الأمور أنّ جملة منها موجودة و لها عدد موجود متناه أو غير متناه بل يصحّ أن ينفى عنها الأمر ان جميعا كما يصحّ عن جميع المعدومات فإنها إذا لم تكن موجودة كيف تكون ذات عدد متناه أو غير متناه.
فان قيل: كيف تقول الجملة ممّا مضى أنّها عشرة.
قلنا: أنّا نحكم على المعدومات عند عدمها بأنّها كذا لا على ذواتها بل على الموجود منها فى الوهم و إنّما ترتسم فى الوهم ما هو متناه لا غير. و قوم جوّزوا وصف المعدومات بأنّ لها عددا لكن بعدد [٣٦] معدوم. فاتّضح أنّه لا يصحّ أن يفهم من قولنا: «إن كان الماضى لا أوّل له فالأمور الماضية بغير نهاية» أنّ تلك الأمور جملة لها عدد موجود غير متناه، و بيّن انّ ذلك فى الوهم محال لأنّ الوهم لا يحصل فيه عدد لا نهاية له بالفعل بل إنّما يرتسم فيه ما يكون عددا معيّنا مثل عشرة الآن و ما اشبهها. نعم الذّهن يحصل فيه معنى الجملة و معنى ما لا نهاية له من جهة أنّ ما لا نهاية له صفة و حكم لا من جهة أنّه يثبت فيه العدد الّذي يوصف بأنّه لا نهاية له. فاذن هذه الجملة من جهة انّها لا نهاية لها لا يجوز أن تحصل فى الوهم، فإذن إن كان الماضى لا أوّل له لم يلزم منه أن يكون له جملة و جميع ذو عدد بلا نهاية لا فى الأعيان و لا فى الوهم. و الأشياء انّما تحصل لها جملة و جميع إذا وجدت معا فى مكان أو زمان لا أن يكون معا فى وصف و حكم و إلّا كان للمعدومات المتوقّعة جملة.
فلنبحث عن الاعتبار الثّالث.
فنقول: انّه يصحّ أن يقال إنّ للأمور الماضية جملة معقولة فى الذّهن من حيث هى جمله من غير أن يحتاج فى ذلك إلى أن تعقل الآحاد البتّة، فإنّ الذّهن كلّما انحصر فى الوهم واحد