حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٣ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
المتحملون بتلمذته ينوهون بذكره و يبالغون فى إعلاء صيته و يقولون فيه و يكتبون عنه ما يكاد يخرج عن وسع البشر حتى فخم بذلك أمره و عظم قدره فى قلوب العوامّ و الخواصّ أيضا.
و قد رسخ فى قلوب قوم من أهل زماننا أنّ الحقّ ما قاله كيف كان و أنّ الخطأ عليه بعيد عن الإمكان، و انّ من خالفه فى شيء ممّا قاله لم يعدّ فى زمرة العقلاء. فلهذا حرصت على تعقّب كلامه و تتبّع وجوه غلطه لينزل جماعة الغلاة عن الغلوّ فى حقّه. فكلّ من يكون سبب اغتراره بكلام الفلاسفة و خاصّة ابن سينا الألفاظ المموّهة و الاخبار الكاذبة ينتبه [٢٤] للرجوع إلى الحقّ بالايقاف على المعانى و الكشف عن الحقائق ان لم يطبع اللّه تعالى على قلبه فيكون تنبيهه واجبا و مفيدا. و امّا الّذين يقلّ الرجاء فيهم و فى ارعوائهم عن الغىّ و قلوبهم للحقّ بالتنبيه و التبصير فشر ذمة يعتقدون فى أنفسهم مزيّة فطنة و فرط ذكاء و يشتهون التمييز عن النّظر أو التّحيز إلى زمرة العلماء من غير أن يتحمّلوا تعب طلب العلوم و تحصيلها و يد أبوا فى تحقيق جملها و تفاصيلها، فيتحمّلون بترك وظائف الشّريعة و ارتكاب القبائح الشّنيعة و قول كلمات الكفر و إنكار النّشر و الحشر، يريدون بذلك التّشبه بالفلاسفة و يقولون إنّ الفلسفة فلّ السّفه لظنّ الجهّال من العوام انّهم وقفوا بكمال كياستهم على شيء خفى على جماهير الدّهماء و أطلعوا على سرّ مستور عن مشاهير العلماء.
و قوم من الظّلمة نسوا اللّه- عزّ و جلّ- فى ظلم عباده و تخريب بلاده و أخذ اموال المسلمين بالغصب و السّلب و النّهب، أو من الفسقة انهمكوا فى قضاء الشّهوات و الأوطار و انغمسوا فى غمرات السّيئات و الأوزار فأيسوا لفرط جهلهم مع سوء فعلهم من روح اللّه و رحمته و وطّنوا أنفسهم على عذاب اللّه [٢٥] و نقمته، ثمّ سمعوا انّ قوما من المشهورين بكمال العقل و المذكورين بوفور العلم و الفضل يقولون بأنّه لا ثواب و لا عقاب و لا كتاب و لا حساب، فوجدوا لهذا القول قبولا من قلوبهم لكونه على وفق هوائهم و محبوبهم استقاموا إليه و أقاموا عليه.
فالطّائفة الأولى لا يستمعون للتّبصير لأنّه يسقطهم من رتبة رفيعة بزعمهم يهوونها. و الثّانية لا يقبلون التّنبيه لأنّه يوقعهم فى ورطة من العذاب يخشونها، فإذن فى معرفة هذه