حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ١٠ - المقدّمة فى بيان أنّ هذه المسألة من أمّهات اصول الدّين
و من الشّارعين فى علم الكلام من إذا وجد فى علمه أقاويل الفلاسفة و حججهم الّتي لفّقوها عليها أوردها علماءنا لإبطالها و بيان فسادها احبّ أن يتحقّقها من كتبهم، سيّما و قد سمع أنّ ما ذكر فى كتب الكلام هو من أقاويل قدمائهم، و قد خالف أكثرها المتأخرون منهم و أبطلوها و المعتبر المعتمد منها ما هو مذكور فى تصانيف ابن سينا صدقت رغبته فى تحصيل ما فى كتبه منها ليكون بحثه عمّا هو معتمد عندهم و مناظرتهم فيه لا فيما هو باطل عندهم. و لعمرى أنّ ذلك إن لم يكن سبب فساد عقيدته نافع جدّا فى نقض حججهم لأنّ لهم الفاظا مصطلحا عليها منقولة من اليونانيّة إلى العربيّة لا [١٨] يعرف حقيقة معانيها إلّا من طالع كتبهم و تحقّق ما فيها. و من عرفها كان على أغاليطهم أوقف و على كشف بليّاتهم أقدر، إذا كان قد أحكم علم المنطق فوقف على ضروب الحجج و الحدود و الفرق بين صحيحها و سقيمها، و عرف أقسام المقدّمات اليقينيّة و الظّنّية و الكاذبة و المغالطيّة، و صار متصرّفا فى تمييز بعض مقدّمات الحجج من بعض مرتاضا فيه. فإذا وردت عليه حجّة عرف هل مقدّماتها صادقة و هل صورتها صحيحة يلزم عنها مع تسليم مقدّماتها المطلوب أم لا.
و كان سبب شروعى فى تحصيل علومهم أنّى لما حصّلت فى المدرسة النّظاميّة بمرو- حرسها اللّه- فى شوّال سنة ثلث و عشرين و خمسمائة و أقبلت على قراءة خلاصات الفقه و المباحثة فيها كنت أسمع من بعض من كان يباحثنى الفاظا و معانى لم اعهدهما فسألتهم عنهما، فوصفوا لى علم المنطق و قالوا أنّه أعون شيء على المناظرة، و أقوى عدّة فى مغالبة الخصم، فحرصت على تحصيله و أحكامه و شدوت شيئا بمرو ثمّ ارتحلت فى شوّال السّنة الاخرى إلى نيسابور و اتممته هناك. و كنت قبل ذلك أحكمت علم الحساب ببلخ و مهرت فى استخراج المسائل الجبريّة، و رأيت فى [١٩] كتب الحساب أشكالا هندسيّة، و سمعت من استادى فيه ذكر كتاب اقليدس فى أصول المقادير فحصّلت شطرا صالحا منه و من غيره من كتب الهندسة و أصول علم النّجوم، فدعتنى هذه العلوم إلى النّظر فى الطّبيعيّات و الالهيّات لمصاقبة بعضها لبعض. و كان قلبى يضيق لمخالفة ما فيها لما كانت اعتقده من أصول الدّين و علمت أنّ إبطال ذلك إنّما يمكن بعلم الكلام فاشتغلت بتعلّمه، و كان أكثر غرضى