بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٧ - اصبحوا نادمين
كانت هناك أكثر من فرضية في موقفهم منها، كأن يتركوها ولا يهتموا لأمرها، أو يتجاوزوا حقوقها ويشربوا من مائها الخاص. ولكنهم تمادوا في غيهم، فعقروها، رغم أن الله سبحانه وتعالى حذَّرهم من المساس بها بسوء. والمساس بها كان يبدأ من مسِّهم لها بقلوبهم، كأن لا يصدقوا بحقيقة وجودها بينهم، رغم رؤيتهم المباشرة لها.
كل الخيارات كانت مُتاحة لهم في التعامل مع هذه الناقة المعجزة، رغم أنها جاءت بناءً على طلبهم، ورغم أنها لم تُشكِّل ضرراً عليهم، ورغم أنها جاءت بالفائدة المادية والمعنوية لهم. ولكنهم اختاروا ممارسة الفعل العنيف، والعنيف جدًّا. فلماذا يا ترى؟.
تُعرف الإجابة عن هذا السؤال عند معرفة السبب وراء رفض الإنسان للخير وإقباله على الشر، والشر المطلق أيضاً. إذ تراه، إذا نُهي عن منكر، واجه الناهي له بالقتل المباشر دون الإعراض البسيط. ونعرف ذلك أيضاً حين ندرس الدافع لذاك المجرم الذي ما اكتفى بقتل سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، بل راح يصرخ في جنود الأشرار قائلًا: «أحرقوا بيوت الظالمين ..» [١]. وقال أيضاً: «يَا خَيْلَ الله ارْكَبِي، وَبِالْجَنَّةِ أَبْشِرِي» [٢]. ثم أمرهم بما أمرهم به من ارتكاب الجرائم الشنيعة.
إذا تعمَّقنا في دراسة هذه الحالة، عرفنا ضرورة الحذر والاعتبار. أرأيت طريق القطار الذي ينحرف في البداية انحرافاً بسيطاً جدًّا لا يكاد يُحسب، ولكنه يزداد انحرافاً كلما حثَّ السير حتى يجد نفسه بعيداً جدًّا عن مساره، ويستحيل عليه بلوغ هدفه الذي انطلق من أجل
[١] حياة الإمام الحسين (ع)، باقر شريف القرشي، ج، ص.
[٢] بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٩١.