بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٨ - فأتِ بآية
الإيمان بالحاضر تتبعه مسؤوليات وفرائض لا بد أن تُحمل وتُؤدَّى، أما الإيمان بالغائب فلا نوع إلزام فيه. كمن يدَّعي الإيمان بالنبي موسى (ع)- مثلًا- ثم يجحد بنبوة محمد (ص)، والحال أن كلا النبيين مرسلان من قبل الله الواحد الأحد. فهو إنما يؤمن بموسى لأنه لا يُكلِّفه في الوقت الحاضر بأمور ملزمة، كما هو الإيمان بالنبي محمد (ص) إذ يُكلِّفه بمسؤوليات هذا الدين الجديد. فهذه الازدواجية تُعبِّر عن رغبة في التهرُّب عن الالتزام.
وشأن هذا كشأن من يتعمَّد اختيار مرجع بعيد- جغرافيًّا- فيقلّده، لخوفه من المرجع الديني القريب أن يُكلّفه بمهام معينة قد يصعب عليه أداؤها. ولذلك؛ وجدنا فقهاءنا الكرام، رضوان الله تعالى عليهم، قد منعوا من تقليد الميت ابتداءً، ولعل ذلك لكي يقضوا على مثل تلك الرغبة في التهرُّب، لا سيما وأن المسائل المستحدثة تُحلّ من جانب الفقيه الحي دون الميت، والأمة- بطبيعة الحال- بحاجة إلى قيادة فيها، والتي تسمى في الفقه بالحوادث الواقعة.
والقرآن المجيد، إنما نقرؤه لا على اعتبار أنه كتاب تاريخي بحت؛ قد أُنزل على أمة خلت، فخبا نوره واضمحل دوره، بل القرآن نتلوه باعتباره خطاب ربٍّ، حيٍّ، قيومٍ، يضيء الدرب لمن يتمسَّك به ويزيده هدى.
ويبدو أن قوم ثمود كانوا قد توغَّلوا في الفساد والطغيان بعد أن كانوا مُطَّلعين على البصائر الإلهية، ولذلك؛ فقد جازاهم الله تعالى بمدى غيِّهم وطغيانهم.