بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - واغفر لأبي
ثانياً: عدم جواز الدعاء لإنسان حَقَّت عليه كلمة العذاب، وصارت جهنم مُحيطة به.
ثالثاً: إن النبي إبراهيم (ع) قد دعا لأبيه قبل أن يعلم بأن أباه آزر قد صار من أهل النار حتماً، ولو كان قد عرف بمصير أبيه الجهنمي، لَحَقَّ عليه أن يلعنه ويتبرَّأ منه، كما يلعنه الله عزَّ وجلَّ ويطرده من رحمته.
وهذه ثقافة قرآنية يجب أن يتعلَّمها كل إنسان، وهي تتمثَّل في تولي الصالحين، والتبرُّؤ من الطالحين، ومخالفة مواقفهم المناهضة لإرادة ربِّ العزَّة والجبروت، وهو القائل وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [١].
لأن من ضروريات الإيمان أن يُفرغ المؤمن قلبَه من حبِّ الظالمين والكافرين. ومثال ذلك ما رُوي عن صفوان بن مهران الجمال، قال: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (ع) فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ، مَا خَلَا شَيْئاً وَاحِداً!.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيُّ شَيْءٍ؟!.
قَالَ (ع): إِكْرَاؤُكَ جِمَالَكَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ- يَعْنِي هَارُونَ-.
قُلْتُ: وَالله مَا أَكْرَيْتُهُ أَشَراً، وَلَا بَطَراً، وَلَا لِلصَّيْدِ، وَلَا لِلَّهْوِ. وَلَكِنِّي أَكْرَيْتُهُ لِهَذَا الطَّرِيقِ- يَعْنِي طَرِيقَ مَكَّةَ-، وَلَا أَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِي، وَلَكِنِّي أَبْعَثُ مَعَهُ غِلْمَانِي.
فَقَالَ (ع): لِي يَا صَفْوَانُ؛ أَيَقَعُ كِرَاؤُكَ عَلَيْهِمْ؟.
[١] سورة هود، آية: ١١٣.