بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩٤ - العربية لسان الوحي
ولعمري؛ فإن هذه نعمة كبرى أن يُنزِّل الله تعالى أكمل الرسالات تشريعاً، ومعها أكمل أدوات الإيضاح، وهي اللغة، واللغة العربية، والوضوح في النص القرآني الذي ليس من طبيعته طمس الحقائق والبصائر، أو إعمال اللبس على قارئه، بالإضافة إلى نعمة بعث محمد المصطفى (ص) رسولًا نبيًّا، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم وأفضلهم على الإطلاق.
يبقى علينا أن نفهم أبعاد الحجة البالغة من منطلق أن النذير المصطفى (ص) قد بُعِثَ بلسان عربي مُبين ليُنذر الناس، وقد أدَّى هذا النذير مهمته على أكمل وجه، فإذا غفل أحد من الناس عنه، فالمشكلة مشكلته، ولا علاقة للمُنذر ولرسالة الإنذار به على الإطلاق.
وهكذا قال ربُّنا سبحانه فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [١].
ثم إنّ القرآن يؤكِّد أكثر من مرة كونه مُبِيْناً، فهل هذا يعني أن كل إنسان قادر على فهمه؟. وأين يذهب القول بأن القرآن لا يُفهم إلَّا عبر المفسِّرين؟.
ونقول إزاء ذلك: إنّ كل الحقائق القرآنية لا تُفهم من قِبَل كلّ أحد، ذلك إنّ الناس يفهمون الحقائق حسب مستوياتهم ومن حيث ينظرون، وهذا يُؤدِّي بطبيعة الحال إلى القول بأن في القرآن حقائق تُفهم، وحقائق لا تُفهم على وجه الدقة من قبل كل الناس؛ إذ في الناس مَنْ هو عالم، وفيهم مَنْ هو جاهل، وفيهم مَنْ هو عارف بطبيعة اللغة العربية حق المعرفة، وفيهم مَنْ لا يفهم العربية التي هي بمثابة الجسر للعبور نحو بصائر القرآن وحقائقه، كأن يكون قد تقولب ضمن قوالب اللهجات الدارجة وأجوائها، أو لكونه غير عربي ولا ينطق
[١] سورة الانعام، آية: ١٤٩.